ورقة واحدة تكفي


السكينة ليست أن تخلو الحياة من الهموم والمشاغل، ولا أن تتوقف الأسئلة والأحلام والآمال والواجبات من حولنا، فالإنسان بطبيعته يحمل في داخله أفكارًا كثيرة، وأمنيات متشابكة، وذكريات، ومشاريع، ومخاوف، وحكايات لا تنتهي، لكن السكينة تبدأ حين يعرف الإنسان ماذا يحمل، ومتى يحمله، وأين يخرجه ويضعه.
«نابكين»
ومن الأشياء البسيطة التي لفتت انتباهي في استخداماتنا اليومية علبة المناديل الورقية. وقد يبدو الأمر عاديًا جدًا، لكن ما لفت انتباهي هو كيفية خروج المنديل؛ تسحب المنديل، فتخرج ورقة واحدة، ثم تسحب أخرى فتخرج الثانية، وهكذا، واحدة تلو الأخرى، من غير فوضى، ولا حاجة إلى التعامل مع عشرة مناديل في وقت واحد. ومن هنا يبرز السؤال: ماذا لو كان عقل الإنسان يعمل بالطريقة نفسها؟
من «النابكين» إلى «الكلينكس»
دخلت المناديل الورقية إلى حياتنا منذ عقود، ومع دخول آبائنا وأجدادنا إلى الشركات البترولية والصناعية، وكثرة احتكاكهم بالعمالة الأجنبية والمنتجات الحديثة، تعددت أسماؤها في الاستخدام الشعبي، فمنهم من يقول: «نابكين»، وآخر يقول: «كلينكس»، وثالث: «نشاف»، ورابع: «مناديل فاين»، ولعل لها أسماء أخرى.
ترى الأسماء مو موضوعنا!
المهم هو فكرة ذلك المنتج البسيط الذي يجلس أمامنا في البيت، والمكتب، والمطعم، والسيارة، ويخفي وراء بساطته فكرة صناعية عملية دقيقة، وهي أن تخرج الورقة المطلوبة وحدها، وفي اللحظة التي نحتاجها. فالعلبة مصممة بطريقة تجعل المناديل متداخلة ومترابطة بقدر محسوب، بحيث تسحب واحدة فتساعدك على إخراج التي تليها، دون أن تخرج المناديل بفوضى أو تخرج مجموعة كاملة في كل مرة. وقد يبدو هذا تفصيلًا صغيرًا، لكنه في الحقيقة درس جميل في الترتيب والانضباط في حياتنا.
عندما تكون الصناعة جيدة
إذا كانت العلبة جيدة الصنع، والمنديل موضوعًا بطريقة صحيحة، تسحب ورقة واحدة فتجدها بين يديك، تستخدمها، ثم تسحب الثانية، ثم الثالثة، كل شيء في مكانه، وكل شيء يأتي في وقته. أما إذا كانت الصناعة رديئة، أو كانت المناديل متشابكة بطريقة غير صحيحة، فقد تسحب واحدة فتخرج معها اثنتان أو ثلاث أو أكثر. تحاول إعادة المناديل الزائدة إلى العلبة، فلا تعود كما كانت، بل تتجعد وتتشابك، وربما وضعتها على الطاولة، أو احتفظت بها في جيبك، أو تركتها جانبًا، أو ممكن من القهر ”تچفسها“.
هنا يبدأ التشبيه
هذا بالضبط ما يحدث في عقولنا أحيانًا، العلبة هي العقل، عقل الإنسان من أعجب ما أودع الله تعالى فيه من قدرات، يحمل الأفكار، والأحلام، والطموحات، والذكريات، والمشاريع، والمخاوف، والقلق، والأسئلة، والواجبات، والمواعيد، والعلاقات، والتجارب، والمغامرات، والحكايات، وكل يوم تضاف إليه أشياء جديدة.
المشكلة ليست في تعدد الأفكار أو كثرتها، بل حين تخرج كلها في وقت واحد.
تفكر في مشروع لم يحن وقته، ثم تنتقل إلى مشكلة لا تملك لها حلًا، ثم تتذكر موعدًا، ثم موقفًا قديمًا، ثم تقلق من أمر مستقبلي، ثم تفكر في شخص، ثم في عمل، ثم في شيء ربما يحدث وربما لا يحدث أصلًا. وهكذا تصبح علبة العقل مثل علبة المناديل رديئة الصنع! تسحب فكرة، فتخرج معها خمس أفكار، تحاول أن تنجز مهمة، فتتزاحم في رأسك عشر مهام، تحاول النوم، فتبدأ الذاكرة في سحب الملفات القديمة، تحاول أن تستريح، فتُفتح أمامك مشاهد وخيالات وأسئلة عن المستقبل.
والنتيجة؟
تشتت وقلق وأرق وشرود وصداع وسهر وعصبية وإرهاق ذهني، ليس لأن الإنسان لا يستطيع التفكير، وإنما لأنه يفكر في أشياء كثيرة في اللحظة نفسها. ربما نحتاج أن نتعلم من علبة المنديل شيئًا بسيطًا:
لكل عمل أو فكرة وقتها!
اسحب ورقة واحدة، لا تحاول أن تسحب العلبة كلها. إذا كان أمامك عمل مهم، فاعمل عليه، وإذا انتهيت منه، انتقل إلى الذي يليه. إذا كانت هناك مشكلة تستطيع حلها، فخذ بالأسباب وحاول حلها، أما إذا كانت المسألة من علم الغيب، فلا تجعل عقلك يعيش تفاصيل شيء لم يقع، وربما لن يقع. وإذا لم يكن الأمر من شأنك، فاتركه، وإذا كنت لا تستطيع تغييره، فلا تستنزف نفسك في محاولة تغييره كل دقيقة، وإذا كان شيئًا مضى وانتهى، فخذ منه الدرس واتركه في مكانه. لكل فكرة رفّ، ولكل مسؤولية وقت، ولكل أمر حجمه الحقيقي.
ترتيب الأولويات
نحن لا نحتاج دائمًا إلى عقل أكثر ذكاءً، بقدر ما نحتاج إلى عقل أكثر تدبيرًا وتنظيمًا وترتيبًا، أن نعرف:
ما المهم؟
وما الأهم؟
ما الذي أستطيع فعله اليوم؟
ما الذي يمكن تأجيله؟
ما الذي ليس من شأني؟
وما الذي لا أملك له جوابًا الآن؟
ثم نتصرف وفق ذلك.
أنجز مهامك أولًا بأول، ولا تؤجلها، ولا تجعل الأشياء الصغيرة تتراكم حتى تصبح جبلًا في رأسك. وزّع وقتك على ما يستحقه، وأعطِ الناس حقوقهم دون أن تجعلهم جميعًا يسكنون في رأسك، واحذف من يومك ما لا ينفعك، ومن تفكيرك ما يستهلكك، ومن اهتمامك ما لا يضيف إليك شيئًا.
فليست كل فكرة تستحق أن تمنحها ساعة من عمرك، وليس كل خبر يستحق أن تقلق من أجله، وليس كل حديث يستحق أن تجيب عنه، وليس كل موقف يستحق أن تحمله معك إلى فراشك.
ماذا نفعل بالنفايات الفكرية؟
كما نتخلص من النفايات والمخلفات التي تتراكم في البيت آخر النهار، نحتاج أيضًا إلى التخلص من النفايات الفكرية؛ فهناك أفكار انتهت صلاحيتها، وأفكار لم تكن صحيحة أصلًا، وأفكار صنعها الوهم أو الخوف، وأخرى صنعها كلام الآخرين، وأفكار تعودنا عليها حتى أصبحنا نظن أنها جزء منا. وهناك أمنيات جميلة، لكنها ليست لهذا الوقت، وهناك مشاريع جيدة، لكنها ليست من أولوياتنا الآن.
ليس معنى ذلك أن نقتل أحلامنا، بل أن نضع كل حلم في مكانه، ونكتب له وقته، ونتركه حتى يأتي دوره. فالإنسان المنظم لا يتخلى عن أهدافه وأحلامه، وإنما لا يسمح لأحلامه أن تتصارع داخل رأسه في اللحظة نفسها.
وما لا نعرفه؟
وهنا يأتي الجزء الأهم، هناك أمور كثيرة لا نملك جوابها!
ماذا سيحدث غدًا؟
هل سينجح هذا الأمر؟
كيف ستكون النتيجة؟
ماذا سيحدث لهذا الشخص؟
هل سيأتي ما ننتظره؟
هل يتحقق ما نتمناه؟
هذه الأسئلة قد لا يكون لها جواب الآن، لأنها ببساطة تتعلق بأمور غيبية، وهنا يأتي التوكل على الله؛ فالتوكل ليس أن نترك العمل، ولا أن نتوقف عن الأخذ بالأسباب، بل أن نأخذ بالأسباب التي نستطيعها، ثم نفوّض النتيجة إلى الله.
نعمل ما علينا، ونترك ما ليس بأيدينا.
نسعى، ثم نطمئن.
نخطط، ثم نتوكل.
نأخذ بالأسباب، ثم نقول بقلوب مطمئنة:
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23].
وهنا تخف الأحمال.
خفة الروح
ربما لا نستطيع أن نمنع الأفكار من الدخول إلى عقولنا، لكننا نستطيع أن نختار أيها يستحق أن يبقى، وأيها ينبغي أن نتركه يمضي. رتّب علبة عقلك، ضع لكل فكرة مكانها، لا تسحب عشرة مناديل في وقت واحد، خذ واحدة، أنجزها، ثم اسحب التي بعدها.
وإذا خرجت معك فكرة لا تحتاجها، فلا تحاول إعادتها إلى مكانها بالقوة! دعها تمضي. هناك أشياء في حياتنا لا تحتاج إلى حل، وإنما تحتاج إلى أن نتوقف عن حملها، وهناك أشياء لا تحتاج إلى إجابة، وإنما تحتاج إلى تفويض، وهناك أشياء لا تحتاج إلى مزيد من التفكير، وإنما تحتاج إلى قرار. نعم، اتخذ قرارًا!
وعندما نتعلم ذلك، يصبح العقل أكثر هدوءًا، والوقت أكثر بركة، والعمل أكثر إنتاجًا، والحياة أخف. فالسكينة ليست في أن تكون علبتنا فارغة، وإنما في أن تكون مرتبة، وأن نعرف متى نسحب منديلًا، ومتى نضع الورقة جانبًا، ومتى نقول لبعض الأفكار:
«هذه ليست ورقتي اليوم».



