مصحف.. البصر

سهام القلب أبدًا لا تخطئ بل تقع في مركز لباب القلوب فتنطلق المشاعر الطيبة النقية لتعبر عن صدق الكلمة، وصدق الابتسامة، وصدق الضحكة، وصدق النظرة، فهي لغة لا تحتاج إلى ترجمة ولا قاموس ولا معجم تفهم بجميع لغات العالم فالقلب هو مصحف البصر، آياته المشاعر والأحاسيس ولغته لا يعرفها الكثيرون فهي لا تحتاج إلى بلاغة ولا إلى فصاحة لسان ولا جسم سليم ولا عقل سليم بل تحتاج لقلب ينبض بالحياة.. فالإعاقة في قانونه هي إعاقة العواطف والمشاعر والأحاسيس.
وقصص وروايات القلوب تحكي عن روائع الإنسانية التي تتجلى في أمل وإرادة وفرح وعطاء، عطاء يتدفق بالحب ليحول الإعاقة والعجز الكامل إلى نجاح.
فرح اختصاصية تعمل في مركز السرطان في أحد المستشفيات، كعادة فرح في كل صباح تقوم بجولة تفقدية لمتابعة الحالات التي تشرف عليها فتنتقل من قسم إلى آخر وتنشر عبق المحبة في جميع الأرجاء بضحكاتها التي تدغدغ المشاعر وأحاسيسها الحضن الدافئ الذي يحتضن جميع الأطفال الذين يحلقون حولها كما يحلق الأطفال حول أمهم فهي طاقة أمل لهؤلاء الأطفال الذين وجدوا في فرح بلسمًا لأرواحهم البريئة قبل أجسامهم التي تحترق بالكيمياوي؛ فهي حولت معاناتهم مع المرض من حالة يأس إلى حالة أمل وحب وتمسك بالحياة وتقبل الرحيل.
ها هي فرح اليوم تلتقي بتحدٍ جديد طفلة لم يتجاوز عمرها الخمس سنوات أدخلت للمستشفى بعد تعرضها لحادث وفقدانها والديها، حيث لاحظت فرح أثناء مرورها طفلة في حالة عجز كامل فقط عينان مفتوحتان ولا تتحرك مجرد نفس طالع نازل وقد مر عليها أكثر من ستة أشهر ولكنها لم تستجب للعلاج بعد أن أجريت لها أكثر من عملية ناجحة.
اقتربت فرح من تلك الطفلة ووضعت يدها على رأسها وأمسكت بيدها، وهنا أحست فرح بنفس الطفلة يتسارع كأنها تستغيث وتطلب المساعدة من ذاك القلب الرحيم، أطلقت فرح على تلك الطفلة إرادة، وبدأت في متابعتها بل إن إرادة أخذت جل اهتمام فرح فهي معركة تحدٍ بالنسبة لها.. أخذت فرح تتابع حالة إرادة، ألتقت الطبيب المعالج واختصاصي العلاج الطبيعي والممرضات وحتي العاملات وكل من له علاقة مع إرادة.
فرح مع إرادة في العلاج الطبيعي تحرك تلك الرجلين واليدين اللتين تشبهان الخرقة تداعبهما وتلعب معهما وتدغدغهما وكأنها تدب فيهما الحياة؛ ها هو أصبع إرادة الإبهام يتحرك؛ فرح نجاح عظيم أول الغيث قطرة.. فرح تعزف ألحان الفرح في المستشفى، روح فرح البيضاء الملائكية رفرفت بأجنحة السعادة حاملة الأمل، بدأ ذاك الجسد الهامد يستجيب لطاقة الحب المنبعثة من ذاك القلب الصبور، تستمر فرح في متابعة إرادة بإصرار يزداد يومًا بعد يوم.
يتبع...



