تموج في عمود الزمن

نهضة الإمام الحسين (ع) الإصلاحية ووقفة الإباء التي شكلت جدارًا منيعًا أمام السقوط الأخلاقي المدوي، وأضحت محط تطلع الأحرار على مدى التاريخ للتمسك بمفهوم الكرامة الإنسانية والعزة والموقف الشجاع، وتشربت حب نهج العدالة وحفظ الحقوق وثقافة الإنصاف ومحاربة الفساد بشتى أشكاله، فالوجه الحضاري المشرق للإنسانية لا يسير إلا وفق القيم والأهداف الحسينية، فالحياة ميدان كفاح وعمل مثابر يعتلي منصة الفلاح فيه، من شحذ همته والعمل بكل ما يستطيع نحو بناء نفسه وتقوية قدراته؛ ليكون شخصية لها ما يميزها من فكر وتخطيط ورؤى وسلوك قيمي يتنزه فيه عن الرذائل والقبائح الدالة على فقدان المرء رجاحة عقله، وتسلط النزوات عليه بما يفقده مصداقية القوة فيه.
الإمام الحسين (ع) مدرسة ملهمة للأجيال بمعاني وقيم قوة الموقف والشجاعة والبسالة، وروح الصبر ومواجهة التحديات بكل اقتدار ورفض الظلم والذل مضامين عالية في المسير الحسيني، فلا يمكن للإنسان أن يثبت له وجودًا فاعلًا إلا من خلال التحلي بهذه القيم التي تأخذه نحو الحكمة وصوابية المواقف والقرارات، وتقديم هذه المدرسة الفدائية بصورة واضحة المعالم يستنهض الإرادات والهمم للعمل المثابر في ميادين الحياة، فيتحمل المرء المسؤوليات المتنوعة الملقاة على عاتقه بلا تقاعس أو تسويف، فتلك النفوس المنهكة البائسة التي أعياها قهر الأيام والظروف الصعبة ومحطات البلاء المتتالية، آن لها أن تنفض عنها غبار الغفلة والضعف، وتنطلق بكل همة عالية وحيوية ونشاط لتثبت وجودها وألقها.
الليل المظلم الذي خيم على الأمة التي عاشت في كنف القيم الإسلامية والتعاليم المحمدية، لابد في انقشاعه وتغييب تأثيراته السلبية المتمثلة بالفساد الممنهج واستعباد وإذلال الرقاب، انبرت له مهجة تشربت تلك القيم وتمثل امتدادًا للنهج التغييري الإصلاحي، فما كان من السبط الشهيد (ع) إلا أن ينهض بكوكبة إيمانية حملت الوعي والشجاعة والفداء، نفوس استوحشت واستقبحت العيش الذليل بتكبيل إرادتها ومصادرة قرارها وتسييرها كالبهائم، ولم يرهبها التلويح بالويل والثبور ومعانقة الرماح والنبال لأجسادهم الطاهرة، فإن لم يكن وسام الشرف بتوشح الشهادة والسعادة بين يدي ولي الله الناطق بالحق يفوز به هؤلاء العظماء، فمن يستحق التتويج به؟!
نفوس لم تكن ترى أظلم وأحط من العيش تحت ظلال الجهالة ومقارفة الرذيلة وروح التهور الهمجي الأحمق الذي خيم وساد، فهذه الكوكبة الإيمانية الصالحة لا يليق بها ولا ينتظر منها إلا المواقف المشرفة المتسمة بالإباء والتضحية، مواقف - وإن تجاهلها المؤرخون والكتاب والمثقفون من التسجيل والتدوين والتحليل والإشادة بها - تشع على البشرية بومض ينير الدروب في فضاء الفضيلة والاستقامة.
لقد قدم الإمام الحسين (ع) وأصحابه مدرسة قيم عالية تكتنفها مختلف المفاهيم القرآنية والتعاليم الأخلاقية في تجسيد عالي المستوى، أفلا نجد من المنصفين من يدون العظات والحكم والأهداف العاشورائية، فيتلقى الناس أشعة تلك الشمس المشرقة والتي وقفت مع الحق وفي وجه المنكر والفساد؛ لتنار العقول بالرشد والضمائر باليقظة؟!



