طِفلٌ قَضى نَحبه في الحَافلة.. ماذا بعد؟

يستيقظ باكرًا على همسات أمه، تحتضنه، تأخذه لتُحمِّمه وتُلبسه أزهى ثيابه، يتناول -على عجل- قطعة خبز ممسوح عليها قطعة جبن، يرتشف الحليب ارتشافًا. هيَّا يا بني، ها هو بوق الحافلة قد ملأ الأرجاء! تحتضنه مرة أخرى، يَردف حقيبته وراء ظهره، ويُلوِّح لوالدته مُودِّعًا، يَجرُّ بيديه الصغيرتين بابَ الحافلة ليَركب ويعود لإقفاله، يأخذ مكان جلوسه في آخر مقعد، تَنطلق الحافلة مسرعةً نحو هدفها؛ لتوصل الأولاد الصغار إلى مدرستهم. يَنزل الواحد تلو الآخر إلا هو فقد كان يَغطُّ في نوم عميق. واصل السَّائق سيره، قضى حاجة هنا وأخرى هناك، ذهب إلى منزله ليأخذ قسطًا وافرًا من الراحة.
بعد برهة من الزَّمن فتح الصَّبيُّ عينيه ليرى نفسه وحيدًا وأشعة الشمس اللَّاهبة تُحيط به من كل جانب، العَرَقُ يتصبب من جبينه اللَّامع، لا يملك سلاحًا سوى البكاء، لا أحد يسمعه، بَحَّ صوتُه، وجفَّ ريقُه، وارتعش بدنُه، إلى أن سقط مغشيًا عليه.
وبعد ساعات جاء السَّائقُ ليجد الصبي ملقى وسط الحافلة، ارتبك وأخذه إلى الإسعاف على وجه السرعة، عبثًا باشر الأطباء فحصه وإنعاشه؛ فقد أسلمت روحه إلى بارئها قبل وصوله إليهم.
**********
لم تكن تلك قصة من نسج الخيال، بل جرت فصولها في عالم الواقع، فقد تناقلت الأخبار وشاع في البلاد خبر الطفل عبد العزيز مصطفى المسلم الذي يدرس في الصف الثاني الابتدائي، في يوم الأحد السادس من شهر محرم الحرام 1440هـ، فقد توفي (رحمه الله) إثر حادث جرت فصوله على النحو السابق، تزيد أحداثه أو تنقص في مدينة سيهات، في المنطقة الشرقية.
كما جرت حوادث مثلها في السنين السابقة. ذكرت صحيفة "الرياض" أن خمسة طلاب لقوا حتفهم اختناقًا في حافلات المدارس منذ عام 2015.
والسؤال الذي يؤرق المجتمع برمته:
كيف نمنع من وقوع أحداث أخرى مشابهة؟
والجواب يمكن أن يكون ذلك في اتجاهين:
الاتجاه الأول، تتحمله البيئة المحيطة بالطفل، وهم:
- الأسرة ممثلة في الأب والأم.
- سائق الحافلة.
- الجهة التربوية التي ينتمي لها الطفل: المدارس/ رياض الأطفال...، وعلى رأسها قائد المدرسة/ مديرة الروضة.
وقد اتجهت وزارة التعليم هذا الاتجاه، فشكلت عبر مكتب التعليم بالمحافظة لجنة تحقيق لمعرفة الأطراف المقصرة في الحادث.
الاتجاه الثاني؛ هو توعية الطفل طرق التعامل مع هذه الأحداث، وتدريبه -بما يتناسب مع سنه- على اتخاذ إجراءات السلامة بذاته، وهذا أجدر من سابقه وأكثر نفعًا.
ومما يؤسف له أن هذا الاتجاه يكاد يكون مهملًا في الأوساط التربوية، سواء أكانت الأسرة أم المدرسة أم روضة الأطفال.
**********
وهنا أقترح على الآباء والمدارس ورياض الأطفال، تدريب المستهدفين على طريقة التخلص من الاحتجاز في الحافلات (الكبيرة أو المتوسطة) وكذلك السيارات الصغيرة، عبر الخطة التالية:
1-عرض مقاطع مرئية مختارة بعناية توضح طريقة التعامل مع هذا الموقف، مثل:
http://cutt.us/AFG0I
2-إحضار حافلة داخل المدرسة، وتطبيق تدريب إنقاذ محتجَز على أستاذهم، ومن ثَمَّ يحتذون حذوه:
- يدخل الأستاذ الحافلة، وتقفل عليه الأبواب.
- يَدِّق المحتجَز بوق السيارة، بطريقة متواصلة.
- يأتي سائق الحافلة ويفتح الباب، لينزل الأستاذ.
3-يطبِّق هذا التدريب على الطلابُ جميعهم، الواحد تلو الآخر.
4-يُحفَّز المتقنون بجوائز وهدايا.
**********
ولا ينبغي أن يقتصر التدريب على التعامل على احتجاز الطفل في مركبة، بل لا بد من أن يتحول إلى اتخاذ إجراءات السلامة ذاتيًا في كل المخاطر المتوقع وقوع الطفل فيها.
وفيما يلي مواقف جديرة بتدريب الطفل عليها:
1-التدريب على السباحة منذ وقت مبكر من العمر.
2- التدريب على الاحتجاز في المصعد.
3-التعامل مع الحرائق (البسيطة) داخل المنزل، والحروق الجسدية الناتجة من الماء الحار/ نار الموقد...
4-التعامل مع الإصابات الكهربائية.
وغيرها من المواقف التي تقتضي أصول السلامة مراعاتها.
ولتحقيق ذلك ينبغي الاستعانة بمدربين متخصصين، وبالدفاع المدني، وفي الحد الأدنى أن يطلِّع الأب/ الأم/ الأستاذ على أصول السلامة، ومن ثَمَّ ينفِّذ برنامجًا تدريبيًا مبسطًا على الأطفال الصغار.
حفظ الله أبناءَنا وأبناءَكم وجعلهم قرةَ عينٍ وذخرًا وبناةً الوطن.



