أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

اعرف نفسك

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالإثنين 1 أكتوبر 2018، 7:29 ص
اعرف نفسك

معرفة النفس هي الوقوف أمام مرآة صافية تحكي وتعكس واقعه بلا رتوش وإضافة أو نقصان، فيرى بوضوح كل معالم القوة في قدراته وإمكانياته، والتي تعطيه فرصة سانحة لينطلق في ميادين التعلم والرشد والعمل المثابر، وتزوده بالخبرات والمعارف التثقيفية والكثير من ومضات الأفكار الإبداعية.

ويتعرف الإنسان أمام مرآة النفس على حقيقة مشاعره الإيجابية والسلبية، فالحياة والدين منطلقها الحب تجاه ربه والناس، وبذور الكراهية والحسد والتعالي مشاعر سلبية تدميرية لابد له من التخلص منها.

طريق النجاح والتألق وتحقيق المكانة العالية المرموقة هو معرفة المرء نفسه، وإحاطته بمعرفة وافية عن آمالها ونقاط ضعفها وقوتها، فكيف يتسنى ذلك لمن يرغب بالمجد والسؤدد؟
معرفة النفس تندرج في إطار ضبط الرغبات وكبح لجام الشهوات لئلا ترديه في المخاطر والمهالك، فالنفس كالفرس الجموح تريد أن تسلك كل الدروب وتنطلق في كل الفضاءات دون استثناء، وبالتأكيد فإن هناك من الاتجاهات ما يردي صاحبه ويلحق به الأذى، فعلى سبيل المثال: حب المال إذا تملك النفس وسيطر على مشاعر المرء أورثه ذلك شح النفس وبخلها وامتناعها عن العطاء، فأفظع الصور الإنسانية بؤسًا وألمًا لا يمكنها أن تحرك مشاعر بخيل أو تهز وجدانه، كما أن روح الجشع والطمع لا تقف عند حد معين بل تحوله غريزة حب التملك الطاغية على نفسه إلى مجرد آلة لجمع المال، فيفني عمره في تكديس وجمع المال والثروة، متصورًا أن تقتيره على نفسه وتضييق العطاء والبذل عنده هو طريق السعادة!

وهذه المسارب المظلمة تجعلنا نقف أمام النفس وقفة الحسيب الذي يراقب تصرفاته وكلامه حذرًا من الوقوع في الزلل والخطايا، فهناك نظام تحكم وضبط لما يصدر منه من أفعال حتى يطمئن أنها تسير في فلك الصواب والخير، فالأهواء تدفع بالإنسان نحو خبط عشواء من الممارسات اللامسؤولة وغير مأمونة العواقب، فتلك الإرادة القوية تصد النفس عن اقتحام المهالك وتصرفها عن التهور والاختيار في لحظات الانفعال الشديد، وذلك التدقيق والنباهة في التصرف تجنب صاحبها ما يندم عليه كثيرًا.

وحالة التراخي والتسويف وضعف الدافعية نحو الأفعال الحسنة تحتاج منه إلى تبصير بأهميتها وثمارها على تكامل نفسه وقربه من ربه، ومعرفته بنفسه يقدم له ذاك الطموح والهمة العالية وترك الدعة والتكاسل، مستضيئًا بنور سيرة القادة العظماء.

والوقوع في الخطأ أمر وارد مع وجود وتظافر العوامل الصارفة عن طهارة النفس وتساميها، فالأهواء ودندنة الشيطان قد يشط به عن الصواب ويقبع ويقع في الخطيئة، فيحتاج إلى زاجر يردعه عن الوقوع فيها مستقبلًا من خلال معاهدة النفس على تجديد اللقاء والمحالفة مع النزاهة، ويلزمه أمل يدفعه نحو الخروج من شرنقة اليأس وجلد الذات والاجترار السلبي للخطيئة، فمعرفته بنفسه تدفعه نحو الندم وطلب المسامحة والاعتذار عما أجرمه بحقها.