أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ساعة من العمر

هلال الوحيد · القطيف اليومالأحد 7 أكتوبر 2018، 8:18 ص
ساعة من العمر

أشياءَ نحفظها ثم لا ننساها؛ وجهَ أمنا، أولَ يومٍ داست فيه قدمانا أرضَ المدرسة ويوم غادرناها، يومَ عرفنا توأمَ روحنا ويوم مشى أبناؤنا. تواريخ لا تُحصى، وأول شعرٍ حفظناه عندما أحسسنا بأن الحبَّ فتح نوافذَ قلوبنا الصغيرة حيث الأيام مثلَ الأحلامِ تفعل ما تشاء:

شكونا إلى أحـبابـنـا طـولَ لـيلـنا
فقالوا لنا ما أقصرَ اللـيلَ عـنـدنـا
وذاكَ لأن النومَ يغشى عـيـونـهـم
سريعًا ولا يغشى لنا النومُ أعـينـا
إذا ما دنا الليلُ المضر بذي الهوى
جزعنا وهم يسـتـأنـسـونَ إذا دنـا

يسهر من يحب الليل، هذا يناجي محبوبته وذاك ينظر في القمرِ والحاذقُ ينظر في كتاب. كلهم تنام أعينهم ساعةً ما وتنام ضمائرهم طولَ حياتهم. يصحوا البشرُ ولكن تبقى ضمائر جلهم نائمةً مستترةً في خدرها حتى يحينَ موعد نومها مرةً أخرى. إذا هي استيقظت ضمائرنا زرعنا في صدرها خنجرًا لتنامَ أو تموت. لماذا نطالبُ أصلًا ضمائرنا بأن تستيقظ؟ ليسَ مطلوبًا منها سوى النوم: ناموا ولا تستيقظـوا ما فــازَ إلاَّ النُّـوَّمُ!

ثم ماذا لو بقينا مستيقظين؟ أليسَ في الليلِ سترٌ للعاشقين:
ما أضيعَ الـيومَ الذى مـرَّ بـى
من غيرِ أن أهوى وأن أعـشقَا
أفـــقٌ خفـــيف الــظلِّ هذا السـحر
نادى دعِ الـــــــنومِ وناغِ الوتر
فــــما أطـــالَ الـنومُ عـــــمرًا ولا
قصرَ في الأعمارِ طولُ الـسـهـر
فـــــكمْ تــوالَى اللـيلُ بـعد الـنـهـار
وطـالَ بالأنـجــمِ هـذا الــمـدار

دخل شيخٌ كبير عند عبدالملك بن مروان فلما استقر به المجلس قال له عبدالملك: خبرني يا عمَّ كيف أصبح نومك؟
قال: أصبحت والله أنام في المجمع وأسهر في المضجع!
قال عبدالملك: وكيف أصبح أكلك؟
قال: أصبحت إن أكلت ثقلت وإن مُنعت ضعفت!
قال عبدالملك: وكيف قيامكَ وقعودكْ؟
قال: إذا قعدت، تباعدت الأرضُ عني وإذا قمتُ لزمتني!
قال: عبدالملك: فكيف أصبح سيرك؟
قال أصبحت تَعْقِلُني الشعرة وتُعثرني البعرة!

ننامُ طويلًا في مولدنا ويهجرنا النومُ عندما نجلس على عرشِ شبابنا ثم يصاحبنا في كهولتنَا ونبقى غرباءَ بعيدينَ عن النومِ في شيخوختنا. من الكآبةِ أننا لا نستمتع بكلِّ تلال الحياة وجبالها وتبقى أرواحنا وضمائرنا حيةً مستيقظة. مجنونٌ أيها الإنسان تسهر الليلَ وتعرى عواطفكَ ليس إلا في صخورٍ جامدةٍ اسمها "قمر".