أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

مساكين قبل الشمس

هلال الوحيد · القطيف اليومالثلاثاء 9 أكتوبر 2018، 11:02 ص
مساكين قبل الشمس

السرُّ في كيف أن تكون مسكينًا ألا يبكيك أحدٌ غيرَ الخلص حين تموت ولا يبقى اسمكَ في دواوين الأحياء طويلًا بعد أيامِ نعيك. لا مالَ غير ما تنفق ولا زادَ غير ما رحلت به. لا يبكيكَ الأغنياءُ ولا يقول فيك الحكماء. لا تجزع إن كنت أحد المساكين فجل البشرِ منهم! هم من يلبسونَ الشمس إذا طلعت حتى سماها فقراءُ العربِ "قطيفة المساكين" إذ تدفيهم في الشِّتاءِ ويفضحهم الليل في ظلامه وبرودته. الباعثُ على الحياةِ أنك تموت مثلما يموت الأباطرةُ والأغنياءُ والحكماء.

تستيقظ المساكين قبل الفجر، تفتح النافذةَ وترى عظمةَ الخالق في هذا الكون. لا تستطيعَ أن تمسكَ الهواء ولا تلمسَ النجوم ليس إلا عالمٌ لا متناهٍ من القدرةِ اللامتناهية. سكونٌ يلفُّ الكونَ في الفجر قبل الضياء إذ كل المساكينِ نائمون، ثم يرتد الطرف إلى جسد البائس المسكين وتقول ما أصغرك!

حضرت الوفاةُ الإسكندرَ المقدوني في بابل، تأثَّرَ النّاسُ عامّتُهم وخاصَّتُهم لما كان عليه من حكمةٍ مطعَّمةٍ بأعراف الشرق، وقد كان للأدباءِ والحكماءِ آراء ومواقفُ عظيمةٌ في هذا الحدث. من ماتَ لم يكن سوى الإسكندر الذي لم يرِد في التاريخِ القديم أو الحديث أنّ شخصًا حلقَ في فضاءِ التاريخ مثله ولم يُسجَّل مثله لأحدٍ من أهلِ الأرضِ من فتوحات، وانتصارات، ومعاركَ لم يُهزَم فيها أبدًا على الرّغم من صِغَر سِنِّه حتى قيلَ سيطر على الأرضِ اثنان، هما النبي سليمان ابن داود عليهما السّلام والإسكندر المقدونيّ المعروف بالإسكندر الأكبر. حكم الإسكندرُ إمبراطوريّةً كبيرةً وصلت حدودها من أقصى شرق الأرض إلى أقصى غربها وتوفي ولم يتجاوز عمره ثلاثةً وثلاثين عامًا، فقد عاش في الفترة الواقعة ما بين عامَي 323 - 365 ق.م، واحتلّ الأراضي المُمتدّة من اليونان إلى مصر، مرورًا بالأراضي التركيّة، والإيرانيّة، والباكستانيّة.

جُعِلَ الإسكندر في تابوتٍ من ذهبْ قبلَ دفْنهِ وتقدَّمَ إليه أحدُ الحكماء فقال: كان الملكُ يحوي الذّهبْ وقد صارَ الآن الذهبُ يحويه!‏

وتقدّمَ إليه آخرُ والنّاس يبكونَ ويجزعونَ فقال: حرّكَنَا بسكونه.

وتقدّمَ إليه آخرُ فقال: كان الملكُ يَعِظُنا في حياته وهو اليومَ أوعظُ منه في الأمس! ثم تقدّمَ إليه آخرُ فقال: قد طافَ الأَرَضِيْنَ وتملَّكَهَا ثم جُعِلَ منها في أربعةِ أذرعٍ.‏

وقال آخر: انْظر إلى حُلُمِ النائمِ كيف انقضى، وإلى ظِلِّ الغَمامِ وقد انجلى.‏

ثم وقف أخيرًا حكيم (بابل) ليقول في حكمةٍ إنسانيةٍ مستمرة:‏
ألَمُنَا على هذا العظيمِ يدلُّ على أننا نحن العظماء.. نحن من صنع عظمتَهُ.‏

عندما تصحو غدًا قبل أن تستيقظ الشمس؛ ارفع رأسك أيها المسكين وانظر القمرَ والنجومَ والفضاء وكم أنت صغيرٌ في هذا الكون. سوف تنسى بعد أن تصحو الشمسُ وتعطيك الطاقةَ أنك أحد المساكين، ليس هذا النسيان إلا لأنك بائسٌ مسكين!