لا تندم عندما تٌحسن
أصبحنا في زمن تتقدم فيه الأهواء على العقول، ويندفن فيه الإيثار في حضور المصالح، وتتهمشُ فيه الأدوار خلف حسابات الرئاسة.. إلا ما رحم ربي!
أصبحنا نقيس معاملاتنا بالمثل، أصبحت المبادرة على نفوسنا ثقلًا وأصبح الخصام سهلًا والصدُ في الاختلاف ملجأ والحقدُ في القلب مسكنًا!
كأن الحِداد موطن.. والجنائز حدائق!
قلوبٌ ضيقة، مساحاتٌ مغلقة، من أحسن لنا أحسّنا له لكي لا نكون دون الوفاء ولا يُسلبَ منا لفظُ العطاء، ومن أساء لنا أسئنا إليه ولربما بأكثر مما أساء إلينا، وإن فكرنا وعفونا خاصمنا وابتعدنا ولإرضاء أنفسنا قاطعنا وتركنا!
أحْسنا بعفونا عن مسيء وأخطأنا بمحاميل قلوبنا ظاهرًا يَعفو وباطنًا نارٌ تَستعر!
وكان أفضل مراتب الإحسان عند الله - سبحانه وتعالى - هو الإحسان عن مسيء بِقدرتنا التي تتسع لها نفوسنا!
وذاك وعد ربي وما جزاءُ الإحسان إلا الإحسان!
لكن ماذا إذا كنا ننظر له كَمُقايقضه كما أحسنت لك يجب أن تُحسن لي، كما أعطيتك يجب أن تُعطيني، كما أهديتك يجب أن تُهديني.. إن من ينظرون له هكذا هم في الأصل لا يدركون حقيقته ولا يفهمون قيمته، لأنه ليس كل إحسان سَيُرد لك كما تتمنى وكما تَشتهي نفسك!
إن أحسنت بقلبك النقي فالله هو من يَردُ إحسانك ويُعطيك جزاءك لأنه وعده وحق كلمته، لربما يُرد إحسانك إليك من ذات الشخص ولربما بشيءٍ آخر لا يصله عقلك ولا يستوعبه إدراكك لكنه واقع لا محال وإن لم تشعر به الآن!
أحسنوا إلى بعضكم بقلوبٍ نقية، ولا تندموا عندما تُحْسنوا فإن الإحسان رحمة توقظُ القلوب الغافلة وتُبعد الأحقاد الساكنة وتوصلُ إلى المنازل العالية!
الحمدلله الذي جعلني أنظر إليه قبل النظر إلى غيره!



