أزقةُ الذاكرة

نولد وتولدُ معنا ذاكرةٌ بيضاءَ لا شيء فيها. تحتفظ الذاكرةُ البيضاء بصورِ الأيامِ الأولى جميلةً مهما كانت الأيامُ صعبة، تمتد جذور الذاكرة في السنين وتقوى. نكبر، تمتلئ الذاكرةُ حدثًا بعد حدث، واحدًا أبيض وآخر أسود وذاكَ بلونٍ رمادي ولكنها تتسع لِكِلِّ جديد. ليس فجأةً نكبر ونذكر كُلَّ زقاقٍ مشينا فيه وكل مدينةٍ زرناها وكل قصيدةٍ قرأناها وأول مرةٍ سمعنا خفقانَ قلوبنا لكن الذاكرة تأبى أن تحفظَ الجديد! لا رقمًا إلا ذاكَ الذي نسترجعهُ كُلَّ يوم ولا اسمًا إلا ذاك الذي نناديهِ صباحَ مساء ولا زقاقًا إلا ذاكَ الذي تدوسه أقدامنا دونَ انقطاع.
نسأل ذاكرتنا، ماذا حدث؟ لم لا تنصاع وتحفظ الجديد؟ تعطينا الإجابةَ بأن ذاكرةَ الإنسانِ مؤلمةٌ، تختزنُ أرقامًا وأحداثًا لا تستحملها ذاكرةُ غيره وفي اللاوعي تأخذ الحيزَ الأكبرَ من الذاكرةِ الفرديةِ والجماعية ويستعصي مسحها. ثقبت الخيباتُ في ذاكرةِ الإنسانِ الذي لم يستطع أن يواري سوأةَ أخيهِ ثقوبًا تنسيهِ كل جديد. تكاثرت الخيباتُ كما "تكاثرت الظّباءُ على خراشٍ... فما يدري خراشٌ ما يصيدُ".
خرجَ خِراشٌ لصيدِ الظباءِ كعادته، وتدفقت نحوه الظباءُ من كل صوبٍ وأصابته بالحيرة، كلما أخرج سهمًا وهمَّ بإطلاقه على واحدٍ منها لمح ظبيًا آخرَ أسمنَ منه فتوجّه نحوه، تاركًا الأول يمضي لشأنه، لكن خيارهُ الثاني سرعانَ ما يمضي لشأنه أيضًا، بعد أن يظهر في الأفق ظبيٌ آخر يُعجب النظار. عاد بعدها خراشٌ خالي الوفاض، رمى كل السهامِ ولم يصطدْ ظبيًا واحدًا. ليست الظباءُ إلا شياطين الذاكرةِ التي يود الإنسان أن ينسى واحدةً فتقفز في وجهه ذاكرةٌ أخرى أشدَّ خيبةً وتقول: "أنا هنا، لا تنساني، الجرحُ يؤلمهُ الذي هو ألمُ".
كان الإنسانُ عندما لا تشغل ذاكرته الخيبات يحفظ الكتب والخطب الطويلة والمعلقات وتواريخ الأمم والآن لا يستطيع أن يُبقى شيئًا في ذاكرته دونَ الآلة، رُحماكَ يا ربِّ كأنما فقد كل البشر ذاكرتهم! كم تمنينا أن تبقى الذاكرةُ وتذهب الخيباتُ ولكن:
ما كل ما يتمنى المرءُ يدركهُ ... تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفنُ



