باريس.. حريق يلتهم 411 عاماً من تاريخ «الأطفال الحمر»

متابعات: صُبرة
التهم حريق هائل، فجر اليوم الاثنين، سوق «الأطفال الحمر» التاريخي في العاصمة الفرنسية باريس، ملحقاً دماراً واسعاً بأقدم سوق طعام مغطى في المدينة، يعود تأسيسه إلى عام 1615، في عهد الملك لويس الثالث عشر، قبل 411 عاماً.
ووفقاً لما نقلته وكالة «رويترز» ووسائل إعلام فرنسية، اندلع الحريق قرابة الساعة الثالثة فجراً في السوق المعروف بالفرنسية باسم «Marché des Enfants Rouges»، الواقع في حي ماريه التاريخي وسط باريس، واستدعى تدخل نحو 150 رجل إطفاء، مدعومين بأكثر من 50 مركبة، للسيطرة على النيران ومنع امتدادها إلى المباني المجاورة.

وامتدت النيران إلى مساحة تُقدّر بنحو ألف متر مربع، وأتت على معظم الأكشاك والمرافق الداخلية، فيما انهارت أجزاء من الهيكل المعدني للسوق، وسط أضرار كبيرة طالت المبنى التاريخي.
ووصف مسؤول في فرق الإطفاء حجم الدمار بأنه شامل، مشيراً إلى أن الحريق أتى على السوق المغطى، بينما استخدمت وزارة الثقافة الفرنسية وصف «الدمار الجزئي» في بيانها الرسمي، ما يشير إلى أن تحديد حجم الخسائر النهائية، ولا سيما العناصر التاريخية التي يمكن ترميمها، يحتاج إلى تقييم فني.

ولم تعلن السلطات الفرنسية سبب اندلاع الحريق، فيما بدأت الجهات المختصة التحقيق في ملابساته وتقييم الأضرار التي أصابت الموقع.
أطفال بملابس حمراء
وراء الاسم الغريب للسوق حكاية إنسانية تعود إلى القرن السادس عشر، عندما كانت توجد بالقرب منه مؤسسة لرعاية الأطفال الأيتام، تأسست عام 1536، وكان نزلاؤها يرتدون ملابس حمراء تميزهم عن غيرهم، فأطلق عليهم سكان المنطقة اسم «الأطفال الحمر».
وعلى الرغم من إغلاق المؤسسة عام 1772، بقي الاسم مرتبطاً بالسوق، وتحول بمرور القرون إلى جزء من ذاكرة الحي وهويته التاريخية.
وكان السوق يحمل عند تأسيسه اسم «سوق ماريه الصغير»، قبل أن يستقر اسمه الحالي، ويصبح واحداً من المعالم التي حافظت على حضورها في الحياة اليومية للعاصمة الفرنسية.
نجا من الهدم.. ولم ينجُ من النيران
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يواجه فيها السوق خطر الزوال؛ إذ نجا خلال القرن العشرين من مخططات لإزالته، قبل تصنيفه معلماً تاريخياً عام 1982، بما وفر له حماية رسمية بوصفه جزءاً من التراث المعماري الباريسي.

وخضع السوق لاحقاً لأعمال ترميم واسعة، وأعيد افتتاحه عام 2000، ليستعيد مكانته وجهةً لبيع المنتجات الغذائية وتقديم الأطعمة الفرنسية والعالمية، ومقصداً للسكان والسياح في أحد أشهر أحياء باريس القديمة.
وفي عام 2026، احتل السوق المرتبة الخامسة عالمياً ضمن تصنيف مجلة «Food & Wine» لأفضل وجهات طعام الشوارع، في مؤشر على استمرار حضوره السياحي والغذائي بعد أكثر من أربعة قرون على تأسيسه.

وبينما تواصل السلطات الفرنسية التحقيق في أسباب الحريق وحصر الخسائر، تواجه باريس مهمة الحفاظ على ما تبقى من أحد أقدم أسواقها، بعدما أنهت النيران فصلاً طويلاً من تاريخ المكان الذي حمل اسم أطفال رحلوا قبل قرون، وبقيت ذكراهم حاضرة في قلب العاصمة الفرنسية.




