عيونُ زرقاء اليمامة

يأتي المطرُ وينبت العشبُ الذي ينتظره البدوُ حتى تسمن ماشيتهم وتقوى جمالهم على البقاءِ في انتظارِ المحطةِ التالية من خريطةِ التجوالِ في الصحراءِ التي تتبع اللونَ الأخضر والماء.
قبل أن يتجشمَ البدوُ مشقةَ الانتقال إلى أرضٍ محلٍ، لا بد لهم من مستكشفٍ "الرائد" يستطلع المكانَ، يتقدّم القومَ ويبصر لهم الكلأَ ومساقطَ الغيث. واعتمادًا على ما يعود به من أخبارٍ يشد البدوُ رحالهم أو يستطلعونَ مكانًا آخر. كان العربُ البدو يثقونَ في من يرسلونَ وهو يصدقهم فيما ينقل من أخبارٍ فسارَ المثلُ عندهم، "الرائدُ لا يكذب أهله"، الرائدْ ليس إلا من القبيلةِ التي يهلك إن هلكت وينجو إن نجت.
كم التقينا من هؤلاءِ الرُّحل في صحارى الربعِ الخالي وغيرها، نحن نبحث عن الذهبِ الأسودِ تحتَ الأرضِ وهم يبحثون عن عينِ الحياة، الماءَ فوق الأرض. كنا نبحث عن النفطِ بتقنياتٍ متطورة تبصر آلاف الأقدامِ تحتَ الأرضِ، نُصيب أحيانًا وأحيانًا لا شيءَ سوى المعرفة أنه لا نفطَ هنا. يأتونَ يبحثونَ عن قليلٍ من الوقودِ أو إصلاح شيءٍ يحتاجونه في حياتهم قليلة المتاع. نعطيهم الوقودَ ويعطونَا بعضَ حليب نياقهم ويرحلونَ خفافًا مثلما جاءوا.
كما لا يغش الرائدُ أهله، لا يُعصى الناصح، لذلك لا ينقض البدو ما يرى الرائد وإلا أصابهم ما أصابَ عبدَ الله بن الصمة حينما خرج مع أخيه دريد بن الصمة في يومٍ يُقال له "يوم اللوى"، وناشد دريدٌ أخاهُ ألا يواجهَ العدو فأبى، فلمَّا حضرت المعركةُ اجتمعَ العدوُّ على عبدِ الله فقتلوه، وبقيَ دريدُ حيًا، فقال في قصيدةٍ وهو يبكي عندَ أمه يخبرها خبره وخبرَ أخيه:
أمرتهمُ أمري بمنعرجِ اللوى
فلم يستبينوا الرشدَ إلا ضحى الغدِ
فلما عصوني كنتُ منهم وقـد
أرى غوايتهم وأنني غير مهتدِ
وهل أنا إلا من غزيةَ إن غَـوتْ
غَويتُ، وإن ترشد غزيـةُ أرشدِ
دعاني أخي والخيلُ بيني وبينه
فلما دعاني لم يجدنـيْ بقعددِ
تنادوا فقالوا أردتْ الخيلُ
فارساً فقلـتُ أعبـدَ الله ذلكم الردي
أليست حياتنا تشبه الرُّحل في الحياةِ ونحتاج الرائدَ الذي لا يكذب ومتى ما وجدناه عضضنا عليه بأنيابنا؟ وفي الحياةِ "كم نرى ناصحًا يقول فيُعصى... وظنين المغيبِ يلفى نصيحًا". وهبَ اللهُ كُلَّ فردٍ من البشر رائدًا في طاسةِ رأسه هو "العقل" الذي لا يغش. نستيقظُ كل يومٍ ننظر في صورتنا المادية ونقول ما أجملها ثم ننظر في مرآةِ عقولنا، نصنع من أنفسنا أشخاصًا آخرين، نحدثهم ونسألهمْ ونتكلم معهم، كلهم صادقونَ لأنهم نحنُ في العقل.
تكبر هبةُ اللهِ علينا عندما نجدُ في رحلةِ الحياةِ عقلًا آخرَ دونَ ثمنٍ نضيفه إلى عقلنا، لا بد أن نصنعَ شيئاً عظيمًا في هذا العالم عندما تجتمع العقول. وتقفز المجتمعاتُ والأممُ نحو المجد عندما يجتمع لها من الروادِ ما لا يجتمع لغيرها، تستطلع بهم عقباتِ المستقبل وتستبصر لهم الطريقَ دونَ معاناة. هؤلاء الرواد عاشوا في الحياةِ متنقلينَ بين العلمِ والعملِ والمعرفة لكنهم أصبحوا ثروةَ الأمسِ وربما يدفنون بعقولهم وعيونهم الزرقاءَ معهم تحتَ الأرض!



