إِنَّ الكلامَ كِلامُ

قال صاحبي الحكيم: في دالةِ أرقامِ الكَلاَمِ هناك نقطةُ الصفر وهي النقطةُ التي يصمت عندها الكون، إلى يمينها البهجةُ والراحة وعلى يسارها الضجيجُ والفورة، سألتهُ: لكن كيف يمتاز الصمتُ في باقي خط الأعداد؟ قال: الصفرُ أو الصمتُ في خط الكلام هو العدد الذي يكونُ موجباً إن عددته بين الأعدادِ الموجبة وسالباً إن عددته بين الأعدادِ السالبة، فمتى ما كان الكلامُ ضجيجًا كان سالبًا ومتى ما كانَ يبعث على الراحةِ صار موجبًا.
لم يعد اللسانُ هو فقط من يتكلم كما في الماضي، حين كان يتكلم الناسُ ويحفظ لهم السامعونَ ما قالوا، ينسونَ منه شيئاً أو يزيدون فيه. بعدها تنتقل الكلمةُ بين الناسِ ربما رفعت من قالها ورسمت له مكاناً في صفحاتِ التاريخ أو أودت به وكانت آخرَ ما قالَ وهو بين الأحياء. اليومَ صار كُلُّ شيءٍ يتكلم، اللسانُ والقلم وكل جسدنا، ويُنقل ما قيل عنهُ بالصوتِ والصورة، أو ما يشبهه وليس من المستحيل أن يتكلم الجمادُ باسمك ورسمك!
تسبق سرعةُ الضوءِ سرعةَ الصوتِ وسرعةَ جريانِ الماء، هولاء الأخيار الثلاثة إن زادت طاقة أحدهم انقلبت شرًا، فإذا ما انطلقت الكلمةُ أو النار أو الماء، لا يمكن استعادتها أو محاكاة ما سوفَ تأتي به من ضرر، لكن من المتيقنِ أن يصبحَ "الكَلامُ كِلامًا"، بل كُلُومًاٌ وجراحاتٌ تقتل من أطلقها ومن أصابته. كانت الأنبياءُ في رسالتها من السماءِ تعظ الناسَ والمؤمنينَ من اللسانِ الذي يسرق الكلماتِ والأرواحَ، ولم يكن حينها اللسانُ إلا رمزاً لما يفضح ما في خواطرِ البشر من المكنونات. نحن البشر تمشي في أذهاننا أفكارٌ وكلماتٌ لابد أن نبقيها مسجونةً إن كانت تستحق السجنَ ونعفو عنها ونطلقها للحريةِ إن كانت تستحق الحريةَ والانعتاق، مشروطةً ألا نكونَ نحن عبيدًا لها:
كم في المقابرِ من قتيلِ لسانهِ
كانت تهـابُ لقــاءهُ الأقـــرانُ
تمر ملايينُ المخلوقاتِ في الكونِ بسلام، تحيا وتموت دونَ أن يشعرَ بها أحد، وهناك نوعٌ واحدٌ من المخلوقاتِ وهو البشر يعيش عشراتِ السنين يملأ فيها الكونَ ضجيجاً قبل أن يرحل! لديه شهيةٌ لموائدِ الكلامِ تفوق موائدَ الطعام، يستطيع الصبرَ على الطعامِ أياماً ولا يطيق الصمتَ ساعةً واحدة. ليس كل صمتٍ حكمة ولكن أكثره كذلك، وليس كُلَّ كَلاَمٍ كِلاَمًاْ وجراحات لكن أكثره كذلك!
لك أن تصمتَ في كل شيء إلا عن الحبِّ والجمال فالكلامُ فيه إفشاءُ سر الإنسانِ والكون. ومتى ما غابت شمسُ النهارِ استأنس في القرب ممن تجد الراحةَ في الاستماعِ إلى نبضاتِ قلوبهم:
ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر
حبيباً ولم يَطْرَبْ إلَيْكَ حَبيبُ
لَئِن كَثُرَت رُقَّابُ لَيلى فَـطالَـمـا
لَهَوتُ بِلَيلى ما لَهُنَّ رَقيـبُ
وَإِن حالَ يَأسٌ دونَ لَيلى فَرُبَّما
أَتى اليَأسُ دونَ الشَيءِ وَهوَ حَبيبُ
وَمَنَّيتِني حَتّى إِذا ما رَأَيتِني
عَلى شَرَفٍ لِلناظِرينَ يَريبُ
صَدَدتِ وَأَشمَتِّ العُداةَ بِهَجرِنا
أَثابَكِ فيما تَصنَعينَ مُثيبُ
أُبَعِّدُ عَنكِ النَفسَ وَالنَفسُ صَبَّةٌ
بِذِكرِكِ وَالمَمشى إِلَيكِ قَريبُ
مَخافَةَ أَن تَسعى الوُشاةُ بِظِنَّةٍ
وَأَكرَمُكُم أَن يَستَريبَ مُريبُ



