أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

بين يدي والدَيَّ

السيد موسى الخضراوي · القطيف اليومالسبت 29 ديسمبر 2018، 4:26 م
بين يدي والدَيَّ

تجلّت رحمة الله الواسعة في رحمة النبي الأكرم وأهل بيته الطاهرين بشكلها الكامل التام.. كما تجلت في سائر الأنبياء والمرسلين المعصومين عليهم ألف تحية وسلام.. وتجلت بشكل أو بآخر في قلوب الوالدين اللذين يبذلان كل حياتهما لإسعاد أولادهما مضحين بكل جميل في سبيل ذلك.

كنت أستشعر رحمة السماء صباح مساء في والديّ كليهما..
وكأنّ أبي دعاء وأمي مسبحة.. كلماتهما الدافئة تلامس قلبي فأبتهج لا شعوريًا وأنتشي انتشاء يصعب وصفه أو بيانه لأنه يفوق التصور.

دعاؤهما المتدفق ينساب بين الضلوع انسياب الماء بين الجداول.. تستشعره وتترقب ثماره اليانعة.. دعاء خالص لا شائبة ولا مكتسبات تحوم حوله.. دعاء يخرج تلقائيًا من القلب للقلب ومن القلب للسماء.. دعاء يقوده الحب والحب فقط.

إن الحياة في كنف والدين كريمين تعني الحياة في الجنة لمن فتح الله بصيرته ففهم حكمة خلقه وعرف رسالته..

كان والدي مثالًا حيًّا للولاء الحقيقي الخالص والعفاف والتواضع والكرم وحسن الخلق والأمانة فضلًا عن طهارة القلب والسماحة.. ضحكته لا تفارق محياه أبدًا..

للمسجد وقع في قلبه يفوق تعلق العشاق بأطلال الأحبة.. أما العشق الحسيني فهي الرسالة التي يعتقد أن الشيعة خلقت لأجلها.. الحسين دمه وروحه وحواسه.. أحب عائلته حب الورود للندى فأحبوه حبًا طغى على كل حب.. أحب الصغار والكبار والأقارب والأبعدين فصار محلًا لتجلي رحمة الله.. القلوب التي تحب وتحن وتترحم وترحم وتتألم هي محال رحمة الله.. عاش عزيزًا ومضى سعيدًا كسائر عشاق الولاء المحمدي.. كان بينه وبين عزة النفس صلة لم أرها بذات الدرجة في غيره ممن عرفت.. أوصى أولاده بأن يعملوا صباح مساء - صيفاً وشتاء - على ألا يتعودوا أخذ الحقوق الشرعية تحت مبرر الحاجة.. فهو يرى أن هذه أموال شرعية تحت ولاية قائم آل محمد ويجب أن تذهب لمن هم بحاجة ماسة لها ممن لا حول ولا قوة..

أما الرجال الأصحاء القادرون على العمل فالأولى لهم تجنب الاعتماد على أخذ الحقوق.. وكم كان يتمنى الخير للآخرين ويدعو لهم ويبارك ويشارك.. له أيادٍ بيضاء صداها يدوي في ذاكرتي حتى الآن..

أمي.. وما أدراك ما أمي؟!.. هي خادمة الحسين التي عشقت رسالتها وبذلت كل أموالها ووقتها في سبيلها.. أسست مدرسة تعليمية للناشئات ثم أعدتهن قارئات معها في مجموعتها الحسينية.. كرم لا حد له ولا مقدار ينهمر على كل من عرفها ودون استثناء.. أغدقت على أولادها إغداقًا عظيمًا لا يضاهى.. حبها المتدفق عليهم أنساهم عبء السنين ومرارة الحال.. حنونة كالورد ورقيقة كالفراشة.. شخصيتها القوية جعلت لها هيبة خاصة في نفوس الجميع.. كانت جامعة بشرية يرتادها الجيران والأحباب وعشاق الولاية..

لست مبالغًا طرفة عين حين أقول إنها في شهر رمضان تختم القرآن في يومين لسنوات طويلة.. رحلت أمي يوم رحل أبي.. وفي تلك اللحظة عاشت صراعًا بين العقل والعاطفة سبب انهيارها ورحيلها سريعًا.. خشيت أن تبكي أمام ولدها المدلل الخلوق المميز أخي (السيد محفوظ) فتجرعت الأسى غصصًا متلاحقة أفقدتها حواسها سريعًا..

هكذا هو الحب الأزلي المتدفق.. امرأة تستحق بكل لغات العصر أن تكون سيدة أعمال ناجحة جمعت بين الأصالة والحضارة والتعليم والتقى والعشق المحمدي.. رحلت إلى معشوقها السرمدي حاملة معها كل باقات الحب والجمال والوفاء والقيم الفاضلة.. رحلا معًا ليعيشا في الفردوس الأعلى في الجنة حيث محمد وآله الطاهرين.. (من مات على حب محمد وآل محمد مات شهيدًا)..

رحلا آخذين معهما قلوبنا وأرواحنا.. رحلا ورحلت معهما ابتسامة الصباح وقبلات المساء.. رحلا ورحلت معهما الإنسانية الخالصة.. رحلا ورحل معهما الأمن والأمان والأحضان الدافئة.. رحلا ورحلت معهما الترابية والعفوية والفطرة السليمة.. رحلا ورحل معهما العقد اللؤلؤي الذي جمع أسرتهما سبعين عامًا.. رحلا رحلة الرضا والقبول التام بأمر السماء.. رحلا رحلة الخالدين..

كل كلمات المواساة لا تسكّن ألم آهة فراق واحدة عليكما.. وداعًا من القلب يتجدد بتجدد الليل والنهار..