انتظروا كتابي

في آخرِ رسالةٍ لأصدقاءِ المهنة يوم 30 ديسمبر 2016م وعدتهم أن أكتبَ كتابينِ هما "في الستين" والثاني "مذكرات رجل". كتبتُ الكتابين وقرأَ الناسُ الكثيرَ منهما، وبعد سنتين سألني أصحابي أينَ الكتابين؟
عدتُ في ذاكرةِ الرجلِ الستيني قليلًا لأتذكر "عبد الله"، الصبيَّ الصغير، الذي ماتَ شابًا، وكيف كنا في الصفوفِ المتوسطة والأستاذ رمضان المصري. لم يستطع أستاذ رمضان الكهل في خطاه البطيئة أن يضبطَ إيقاعَ الصغارِ في أيٍّ من حصصِ مادةِ التاريخ حتى تلك التي يعطينا فيها الامتحان. بعد إحَدِى حصص الامتحان أعادَ الأوراقَ لنا وعليها درجاتِ النجاحِ والرسوب والتفت إلى "عبد الله" وقال: لم كتبتَ "انظر كتابَ المطالعة"؟ إذا أحببتَ أن تغش فعليك أن تعرف كيف! يبدو أن عبدَالله نقل كُلَّ شيءٍ حرفيًا من كتابِ التاريخِ حتى جملة "انظر كتاب المطالعة".
ثم في آخرِ سنينِ العملِ رأيتُ طالبًا جامعيًا، يدرس الهندسة، ويكتب أوراقًا علميةً كثيرة. أذهلتني قدرته على الكتابةِ العلمية التي لا تنضب، إلى أن أعطاني ورقةً كان فيها من المعادلاتِ المعروفة وطلبتُ من أحدِ الموظفين التأكدَ من حداثةِ البحث. عاد الموظفُ وإذا الورقة مسبوقة الطبعِ وبالحرفِ الواحد لكاتبٍ آخر. سألتُ الطالبَ الجامعي: لِمْ نقلتها حرفيًا حتى موقعَ النقطة والفاصلة؟ قال: هذا أمرٌ عادي.
خطرت في بالي فكرةُ الجمعِ والقسمة وهي أن تنظر يمينًا وشمالًا في رفوفِ مكتبتكَ ثم تسحب أيَّ كتابينِ اثنينِ منها وتجمع أوراقَ الكتابين وتقسم المجموعَ إلى ثلاثةِ كتب، وتضع على أحدِ الكتبِ اسمًا جديدًا وتاريخَ النشرِ والمطبعة وتذيله باسمك.
خاطبتُ نفسي في كل هذه النماذج وقلتُ في الأدبِ الإنساني لن أستطيعَ أن أكتبَ صفحةً واحدة، إِذْ أنَّ الإنسانَ أعقد مخلوقٍ تكتب له ويكتشف زيفَ ما تكتب، وحتى لا أحنث في وعدي سوف أظل أكتب في "كتاب الستين" وربما يكون فيه فاصلةً أو نقطةً أو جملةً جديدةً حينها سوفَ أركض به نحو المطبعةِ وأقول: هذا هو كتابي وهذا هو اسمي، لم لا تنشروه؟
ولكنني وجدتُ الحكمةَ أن أكتبَ لك اليومَ قبيل انتهاءِ السنةِ طالبًا أن ننظر في زوايا الإنسانِ الذي تفرد وتعدد حتى فاقَ أصنافَ العيناتِ الأخرى من المخلوقات. الحيوانُ هو الحيوان ذاته أينما يعيش، والنباتُ هو ذاته أينما يعيش، مظاهرٌ وطباعٌ بسيطة تفرضها البيئةُ المختلفة لا غير! ولكن الإنسانَ يتعدد ويتفرد بتنوعِ واختلافِ عقلهِ وسلوكهِ ولغاتهِ وثقافته وجماله وحتى في قبحه. هذا الإنسان الذي يتعدد يتعب من الجوعِ ويظمأ للسلام ثم بعدها يتعب وينام! لم لا ننظر فيما نشترك فيه ونبحث في ذاتنا وعندما نكتب في ذواتنا كُتبًا وأبحاثًا بعد ذلك نكتبها عن الآخرين؟ وعلى ضفافِ جداولِ السنواتِ المقبلة نتعلم ونعمل ونتسامر ونفكر ونقرأ {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}.
أعدكَ أن أكتبَ لكَ في العامِ القادم، هلا وعدتني أن تبقى وتقرأ؟ من له موعدٌ مع الحياةِ لا يموت:
لست أنسى أبدًا ... ساعةً في العمـرِ
تحت ريحٍ صفقتْ ... لارتقـاصِ المطـرِ
نـوّحـتْ للـذكـر ... وشـكـت للقـمـرِ
وإذا مـا طربـت ... عربدت في الشجرِ
هاكَ ما قد صبت ... الريحُ بأذنِ الشاعر
وهي تغري القلب َ... إغـراءَ الفصيحِ الفاجرِ
أيها الشاعرُ تغفـو ... تذكر العـهدَ وتصحـو
وإذا ما التامَ جـرح ٌ... جد بالتذكارِ جـرحُ
فتعلم كيف تنسى ... وتعلم كيف تمحو
إبراهيم ناجي "الأطلال"



