أشواك من ذهب

يولد أناسٌ، وتعطيهم الدنيا أشياء وتحرمهم أشياء. يحيطهم اللعبُ والحدائقُ والأشجارُ والرحلات، التي تأخذهم في كلِّ نواحي الأرض، وأكلٌ تنتفخ به بطونهم ولكنها تأخذ منهم شيئًا واحدًا؛ هو الحب! تفيض محافظهم نقودًا يحسدهم الفقراءُ ومن لا يرى أرواحهم الفقيرة. ولكن كل الأشياء تحيلهم مثلَ الفراشِ الذي يطير نحو النارِ لتحرقه ظنًا منه أن النارَ هي النور الذي يجلب له الضياء.
الحب هو أن تلعب مع الصغارَ وتأكل معهم، وتعلمهم، وتكبر معهم، بعدها يقتربون من النارِ ولا تحرقهم. يرون وجوههم في الماء ولا يقفزون فيه. وعندما تنظر إليهم تقول: هذا لي، وحقائقُ الحبِّ تجبرهم، دون الدين، أن تمتلأ صدورهم زهوًا عندما يرونك يقولون: هذا أبي، عندما ترقد بسلامٍ يزورونَ محطتك الأخيرة ويقولون: هنا يرقد أبي، وهنا ترقد أمي.
حينما تُدمي قدمي الصغارِ الطريةَ أشواكُ الطريقِ الغضة تقرأ لهم ذاتَ القصةِ كل ليلةٍ حتى يكبروا، وكلما قرأتها ودوا لو أنكَ أعدتها مرةً ثم أخرى. وكم مرة ينتظرونك وجفونُ عيونهم كادت تنطبق بُعيد العشاءِ وحينما تقرأها من قلبك تتفتح عيونهم مثل عيونِ الضواري في العتمة.
أجبرت المدنيةُ الحديثة العائلةَ أن تأخذ وقتَ الصغير في البحثِ عن أشياء ولكن بين البحثِ عن الأشياء يضيع الحب الذي لا تستطيع الأشياءُ أن تجلبه لهم. ويموت الصغار عندما يصبح الزوجان في عداد أرقامِ من ساروا في الطريق دون أن يكملوه معًا وتدوسهم الأقدام الخشنة. تجلب الأشياءُ الراحةَ ولابد للصغارِ منها، لكنها لا تملأ كل جنباتِ أرواحهم.
الحب هو أن تكبر ويعرف أبوك وتعرف أمك كل أسرارك وتعرف كل خبايا حياتهم: هنا كان أبي يصلي، وهنا كان أبي ينام، وهنا كان أبي يعمل. صليتُ وتدينت مثله باعتدالٍ في تمتماتٍ قصيرةٍ تختصر كل المسافاتِ نحو السماء، لم يكن كل الناسِ أصحابه ولكن لم يكن له عدوٌ واحد، خَمْرُ روحه العمل والبيت والصمت.
يحلم كثيرٌ من الناسِ اليوم أن يوفروا لصغارهم ملاعقَ من الذهب ولكنهم يجبرونهم أن يدوسوا على أشواكٍ تلمع مثل الذهب عوضًا عن الملاعق! يكبر الصغارُ وهم ينشدون دون أن نسمعهم: نسينا كل الأشياءِ ولم ننس عندما كان الغطاءُ في الشتاءِ ينسحب من فوقنا أعدتموه فوقنا، وعندما كانت حمى الشتاء تصيبنا كنتم أولَ من يضع يدهُ على جبيننا وليس الطبيب، وعندما يعض الجوعُ بطوننا عجنت أياديكم الخبز، مَرْحى ولن ننسى أنكم مشيتم الطريقَ معًا دون أن يَمَلَّ أحدكما المسير!



