في كل قصيدةٍ إنسان

إن كُلَّ فكرةٍ وكُلَّ كلمةٍ وراءها إنسان تخرج من رأسهِ رجاءَ أن تصيبَ هدفًا في غيره، فإذا ما كتبنا فلا بد ألاَّ نكتب ما في الكتبِ فحسب من كلماتٍ وأفكار. من يكتب في الإنسانِ والكونِ حسنًا يفعل أن يكتب أو يفكر في جديدِ الفكرِ والكلمات، إذ لو بقي الإنسانُ على ما هو عليه من النسخِ مما بينَ القراطيسِ لما وصلَ إلى ما وصلَ إليهِ من التقدمِ في التاريخِ والحضارة. ذلك الإنسان الذي يجب أن يجتمع فيه الثابتُ من القديمِ والمتغير من الجديد!
في زحامِ الكلامِ لابد أن يكون لكل كلمةٍ نقرأها جنبتينِ في اللفظِ والمعنى، كأنك تسمع من يقرأها يقول: الله كم هي جميلة، ثم لا يجدها صناديقَ فارغة من الأصالةِ في الفكرة، ومن الثابتِ أن نهوضَ المجتمعاتِ لا تبنيه الكلماتُ التي لا يستطيع الناسُ أن يبعثوا فيها الحياةَ وتمكن من يقرأها أن يصنعَ منها أفعالًا.
الحقيقةُ المرة ألذ ألفَ مرةٍ من طعمِ الوهم، أن القليل مما تكتبه الأقلام وتضخه العقول يصل النضوجَ قبل قطفهِ وعرضه على المشتري، (بديع السماواتِ والأرض) وخالقهمَا على غيرِ مثالٍ سبق، يطالبنا أن نقتدي به في أن نبدع ونخلق الأفكارَ والكلمات التي بعدها يمكنها أن أشياءً وأدوات يراها الإنسان بعينه، ويمسكها بيده، ويعشقها بقلبه، هكذا يحب أن يرانا الذي يقول لنا: ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾.
وفي العصرِ الحديثِ شجعت طرقُ العيشِ على إنتاجِ النفاياتِ البشرية التي حولت الفكرَ والكلمةَ إلى منتجٍ تافه يطير في الريحِ مثل النفاياتِ المادية التي تصطدم في وجوهنا كل يومٍ ونعجز أن ننظفَ أنفسنا وطرقاتنا منها كبقيةِ المجتمعاتِ العصرية. يبقى جهد المقل إنْ لم نستطع إلا إعادةَ إنتاجِ ما في بطونِ الكتبِ من أفكارٍ وكلماتٍ أن نجتهدَ ونعيد صياغتها ونلبسهَا حللًا قشيبةً من حياكة أيدينا تجعل عمليةَ قبولها أمرًا سهلًا.
أعطانا الله مفتاحًا سيدًا لأبوابِ المعرفة متى ما فتحنا به بابًا انفتحت كل الأبواب، وليس التقدم السريع في العلوم سوى دليل على أنه متى ما فتحنا باباً استعصى فتحه من العلم انفتح لنا سبعون بابًا، ذلك مثل الذي يصف الأحجارَ الكبيرة ثم الصغيرةَ في لعبةِ الدُّومينو، حين يسقط الحجرُ الكبير يسقط معه باقي الأحجار.
طبيعةُ العقلِ لا تقبل الفراغَ، إما يسكنه الجهلُ أو يملؤه العلم، فهلا كنا من روادِ العلمِ الجديد الذي يملأ العقل!



