لصوصُ الغرام

ماذا لو لم تكن الأقلام والرسائل والذاكرة، هل كان العربي يعرف عن قيسٍ وليلي؟ بظني أنهما عندما التقيا في الخيالِ العربي أو الواقع قالا الكثيرَ ولكنه بددته رياحُ الشمالِ والجنوب وبقي ما كتبا في الغرامِ بالأيدي وسطرتهُ الأقلام من الشعر الذي ملأ بطونَ كتب التاريخ والأدب.
ليسَ في صحرائنا شجرُ زيزفون فنكتب تحت ظلالها ولا كرومَ عنبٍ أو جَداولَ ماءٍ نستريحُ إليها فتفيضَ أنفسنا بأحلامنا ونسكبهَا حبراً حين كنت أكتب لزوجتي بين عامي ١٩٨٠-١٩٨١م، ولكن ذلك لم يكن ليمنعنَا من تبادلِ المشاعر والأمنيات. تصل الرسالةُ بعد طولِ مدة وعندما أستلمها كنتُ أتحسسها لأرى إن كان فيها صورة وكم صفحة جادت بها عليَّ. اقرأها مراتٍ ومراتْ قبل أن أخزنها لقادمِ الأيام وأسترجعَ قراءتها إن تأخرت الرسالةُ الأخرى. أخالُ المشاعرَ والأحاسيس في الجهة الأخرى نفسها بلْ أرقَّ وأصفى.
كنا نتبادل المراسلات بواسطة البريد ولم يكن موجوداً حينها الرسائل النصية والسريعة ولو عاد الزمانُ لعدتُ لمثلها. أشتري أجودَ الورق وأكتب مُضمناً رسائلي أسرارَ نفسي مصوغةً في أرقِّ الكلمات وأودعها مع البريد آملاً أن تصلَ بعد عشرة أيام أو أسبوعين ومترقباً وخائفاً من أن يسرقها حاملُها ليكشف سرَّ العشيقين. لم أكن أطيقُ انتظار الرد الذي سيأتي بعدَ شهرٍ تقريباً فأَتبعتُ الرسالةَ بأخرى فكتبتُ أكثرَ مما كَتَبَتْ.
تجمع لدينا ما كانت زوجتي بعدها من فترةٍ لأخرى تخرجه من صندوقِ الذكريات وأنا أسترق النظر إليها وأراها تستلطفُ ما كتبتُ لها وهي تخاطبني سراً وتقول: لما لم تعد تكتبْ لي؟ هل توقف إحساسك فلم تعد تحس بوجودي؟ أهي المسافة المكانية أم الزمانية التي تصلبت عندها مشاعركَ فنسيتَ الكلامَ والكتابة؟ كنتُ أشيحُ ببصري حياءً وأتمنى عليها ألا تقرأها أمامي فأستحي من سماعِ ما كنتُ قلت لها من قبل.
بقيت تلك الرسائلُ حتى منتصف التسعينيات حين كنا في سفرٍ فدخل لصٌ ذاتَ يومٍ منزلنا ولم يسرق الشيءَ الكثير ولكنه سرق جميعَ تلك المراسلات والذكريات، فهل ستعاقبه يا الله إن لم يُعدها؟ لعل عذره أنه كان في مثل عمري وعنده حبيبةٌ يحتاج إلى أن يكتبَ لها فينسخ لها شيئاً مما كتبتُ أنا. ليس باستطاعتي الآن إعادة ما كتبتْ وإيقاد ما انطفأ من لهبِ الشوق والحب فهلا أعدتَ لي يا من سرقتَ الغرامَ رسائل شوقي لأتعلم منها الكتابةَ وأعودَ لأقولَ ما كتبت بلا خوفٍ ولا حياء! أعدها لنا ففيها السحرَ والسعادة التي سكرنا فيها من خمرةِ الغرام وكتبنا فيها كل ما كانت تحلمُ به نفسينا الصغيرتان.
كثيرون هم سارقوا الحب، أولهم الإنسان ثم المكان والزمان. وحينما يصدأ القلب يموت الغرام، هلا جليته أيها الإنسان في قراءةِ الماضي من الرسائلِ والذكريات، وابتدعتَ مثل ما ابتدع المحبون من كلام! عذرك أن الحياةَ أثقلت مشاعرك وصرت أبكماً في لغة الحب والسلام!



