أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

السيدان «حيدر» و«ياسر» وميض الإيجابية في زمن الإحباط

الشيخ محمد أبو زيد · القطيف اليومالأحد 20 يناير 2019، 9:17 ص
السيدان «حيدر» و«ياسر» وميض الإيجابية في زمن الإحباط

نعت مواقع التواصل الاجتماعي اليوم بلوعة وأسى رحيل اثنين من السادة الأبرار الأخيار من أبناء هذا المجتمع الطيب.

الأول هو السيد حيدر أبو الرحي الذي تحدى الإعاقة التي لم تكسر إرادته وتحجزه عن مجتمعه ولم تمنعه من إنجاز الكثير من الأعمال والمواقف التي يعجز عن بعضها أكثر الناس صحة وقوة.

سجل حضورًا باهرًا ومتألقًا في أكثر من ميدان من ميادين العمل الاجتماعي بمختلف أشكاله إن كان على مستوى دائرته الخاصة "أسرته وأهله" أو الدائرة الواسعة داخل مجتمعه الذي يعج بأنشطة ثقافية ورياضية ودينية متعددة.

والأكثر إثارة ودهشة حضوره في قلوب الناس ومشاعرهم وعواطفهم، فاكتساب الناس والاحتفاظ بمودتهم يحتاج إلى مهارة ومدارة لأن "قلوب الرجال وحشية فمن تألفها أقبلت عليه" كما يقول الإمام علي "ع" ولا يمكن لأحد أن يلج قلوب الناس ويتملكها دون جهد ووعي ومثابرة وصبر.

والآخر هو الأخ والصديق المؤمن السيد ياسر العوامي، تحدى الداء العضال الذي امتحن به، وابتلاه الله بغياب ابنه، ويكفي أحد هذين الأمرين ليشل فاعلية الإنسان ونشاطه ويغيب ابتسامته، فكيف إذا اجتمع مرض مؤلم وغياب ممض؟

ورغم قسوة الظروف وألمها فلم يكُ يُرى إلا صابراً محتسباً، وواثقا راضياً، مثابراً على طلب العلم النافع والعمل المنجي والسعي الدؤوب في تحصيل الكمالات ونفع الناس.

لا يكاد يغيب عن مناسبة اجتماعية في الأفراح والأتراح، يشيع الجنائز ويعود المرضى ويحضر مجالس الذكر ويتفاعل ويناقش ويسأل.

نشاطه الثقافي في منتديات التواصل الاجتماعي المفيدة والنافعة من أبرز ما يميز شخصيته، تواصل يثري ونقاش بعيد عن التزمت واللجاج والمماراة وإثبات الذات واستعراض العضلات.

يحضر مجالس الذكر فيصغي مسامعه، يطرب إذا سمع رواية أو حديثًا أو أبيات مشجية جديدة، يطلب تدوينها وإرسالها له، تعرف في وجهه لذة اكتساب المعرفة وتحصيل الكمال وتستشعر حالة الابتهاج المعنوي والسرور القلبي الذي يعتريه، ومدى الحزن والألم الذي يعتصر قلبه عند ذكر مصائب العترة الطاهرة، يتجلى نَبْض قلبه وتفيض عواطفه.

تأخذك نظراته الصافية إلى فضاءات بعيدة المدى تتمنى لو أنك تمتلك روحاً بصفاء روحه وزورقا بكفاءة زورقه يمكنك من الإبحار معه في عالمه الملكوتي السابح فيه والمجلي في آفاقه.

آخر مرة رأيته عند زيارته لنا قبل أسبوعين تقريبًا في عيادة الأخ الشيخ عبدالودود، وكعادته كان مقبلًا على الحضور بكل أريحية وبشر حتى إنه حدثني عن رؤيا تخصني.

ولأنها رؤيا مؤمن صادق اللهجة "أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا" فقد فرحت بها كثيرا واعتبرتها من المبشرات كما ورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): "لم يبق من النبوات إلا المبشرات، قيل وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصادقة يراها المؤمن أو ترى له، وما ورد: "أَنّ رُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزءاً مِنَ النّبُوّة".

لقد ضرب هذان السيدان الجليلان مثالًا في الإيجابية ونشر المحبة والرحمة في الفضاءات التي كانا يتحركان فيها، ينثران بذور العطاء دون كلل ولا ملل، ليؤكدا الكثير من الحقائق المعنوية المغيبة في زمن يعصف الإحباط والتشاؤم والانهزامية بشريحة واسعة من الناس نتيجة ابتلاء هنا أو مشكلة هناك، فقد كانا مصداقًا للقول المأثور "ما ضعف بدنٌ عما قويت عليه النية"، أو كما قال الشاعر:
وإذا كانت النفوس كبارا
تعبت في مرادها الأجسام

تغمد الله الفقيدين العزيزين بواسع الرحمة والرضوان وخلف على الفاقدين بالصبر والأجر، عند الله نحتسبكما.. وإنا لله وإنا إليه راجعون!