أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

بناتي هُنَّ

هلال الوحيد · القطيف اليومالأحد 20 يناير 2019، 6:09 م
بناتي هُنَّ

يومَ كنتُ صغيرًا كانت كل الأشجارِ شجري أحن إليها وتحنو علي، في ظلالها تغفو عيوني ومن ثمارها تملأ بطني الفارغ، وفي الجمالِ والأبداع نظرة بريئة لا أقربها ولا أسرقها وتبقى لي، شاخ الزمانُ وبقيتْ كُلُّ الأشجارِ أشجاري، لكنني تخففت من وزري وأوزاري وصار النساءُ كلهن بناتي، لهن رحيق عمري ولي منهن البساتين والروائح.

تصوفتُ في عاطفتي، تصحرت في رغباتي ولم يبقَ إلا برد أفكاري وأنين الجوى في كلِّ أشعاري، من يطرق الستينَ بابًا تغلق دونه الشياطينُ كُلَّ باب وتفتح الملائكُ ستينَ بابًا، يبقى حفيفُ أوراق السنين وتبقى فيه أسراري. ماذا ينفع آدم لو كل الأشجارِ له وكلهن بناته؟ ليس فيهنَ حواءَ يشكي لها حر الفواد وبردَ العواصف، وهي تشد على يديه تجره نحو المدافئ. لو كانت الحياةُ فصولًا كان فصل الكهولةِ آخرها، فليست الشيخوخة إلا دفعةً مقدمةً من فصلِ الموتِ على ظهرِ الأرض، إذ في هذا الفصل يتجمع الشيوخ كأنهم قوم موسى في سنينِ التيه بعد أن عجزوا عن قتالِ أعداء الحياة.

أكبر في خطِّ أرقامِ العمرِ الذي فيه كلما زعزعَ الهواءُ حلقةَ بابِ القلبِ قام يركض ظانًا أن رياحَ الزمنِ عادت إليه تحمل الهوى، ذلك الهوى الذي تتعرى فيه النفس وتنكشف رغباتها في الصحراءِ الواسعة تحت ضوءِ القمر ونار الغضا، لكني أبٌ لكل الناس، وخالٌ لكل الناس، وعم لكل الناس! يزيحون وينزاحونَ عني لا لفضائلٍ فيَّ سوى عمري.

آدم، أشياءَ تبقيها في خيالكَ قانعًا مؤمنًا وهي ممنوعةٌ عليك وعندما لا تكون لك فيها حاجة تتبناكَ هي مائدةً من السماء، ولأبي بكر بن زُهْـر الأندلسي في الشيبِ والشيخوخة قصيدة وصفية أخّاذة:

إني نظرتُ إلى المرآةِ إذ جُلِيتْ
فأنكرت مقلتاي كلَّ ما رأتــا
رأيتُ فيها شُييخًا لست أعرفهُ
وكنت أعهدُه من قبل ذاك فتى
فقلتُ: أين الذي مثواه كان هنا
متى ترحَّل عن هذا المكان متى؟
فاستجهلتنيْ وقالت لي وما نطقت
قد كان ذاكَ، وهذا بعد ذاكَ أتى
هوَنْ عليك فهذا لا بقاءَ له
أما ترى العشبَ يفنى بعدما نبتا؟
كان الغواني يقلن: يا أخيَّ، فقد
صار الغواني يقلنَ اليوم: يا أبتا

حتى لو صرتَ نقطةً واقفةً في الزمنِ سوف يتحرك الزمنُ ويصل إليها، فكيف إذ أنت والزمن تسيرانِ في اتجاهٍ معاكس تكبر فيه سرعةُ الوصولِ وتتضاءل مدةُ الالتقاء. اقض مأْرَبك وحاجاتكَ المُلحَّة يا آدم!