اللّهمّ اغفر لي الذنوب الّتي تهتك العصم

تمر علينا تلك الكلمات ونكررها بلهفة أحيانًا كلما انفتحت قلوبنا على الله، ونتمعن في حروفها تارة أخرى لنستوحي منها درسًا لتربية نفوسنا ولا نجد لخفاياها معينًا على استيعابها إلا عبر الطريق السالك إلى الله بالعترة الطاهرة، لنرى حقيقة تلك المعاني العظيمة والتي تغيب عنا.
تتراكم علينا المعاصي واحدة بعد أخرى، ونكرر المعصية واحدة بعد أخرى، وفي كل خطوة نعيدها تتعمق في نفوسنا المعصية حتى تثبت بالنفس وتضعف مقاومة الإنسان لتلك المعاصي لأن المداومة تسير بنا إلى الإدمان عليها، فتصعب علينا طرق الرجوع إليه لأننا نصبح في مرحلة النسيان لله {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} "الحشر19"، إذ تتحول المعصية إلى مجرد عمل لا نشعر بخطره حتى لا نجد مجالًا إلى الانتباه إلى نهاية ما نسير إليه وعليه، وحينها يموت القلب.
في دعاء كميل المروي عن أمير المؤمنين (ع) تختصر هذه الجملة "اللّهمّ اغفر لي الذنوب الّتي تهتك العصم"، مضامين كبيرة وبعيدة، فإن المنادي لربه في هذه المرحلة مازال حاضرًا مع الله متفهمًا أن طلبه المغفرة غير طلبه للعفو، لأن المغفرة عفو وستر ونحن أمام الله قد نتجاوز كثيرًا من الذنوب، لكننا أمام الناس نتوقف عن اقترافها لأننا نخشى الناس كثيرًا، ومع ذلك فإننا نطلب منه سبحانه أن يعفو عنا ويسترها علينا ولا يفضحنا عندهم، لكننا معه سبحانه نطلب منه أن يضع علينا واقية وحاجبًا عن اقترافها أو العود إليها.
الآية الكريمة تشير إلى ثلاثة معان مهمة {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا} "البقرة 286"، فالعفو هو تجاوز وعدم ترتيب العقاب، والمغفرة ستره على العبد وإزالة تأثيره حتى لا يثبت بالنفس، والرحمة هي تقوية الإنسان على مواجهة الذنوب، والإنسان يهتك ستره إما بإبراز ما يجعله محل تهكم واشمئزاز من الناس إليه، حيث تتحول تلك المعاصي إلى إدمان نفسي وفعلي ويصعب الخروج منها، فلا يجد الإنسان مجالًا للاعتصام عنها سواء كان باجتنابها أو الميل إليها.
إذن في هذا المقتطف من حيث يطلب العبد من ربه أن يغفر له ذنوبًا تفقد الإنسان المنعة من القدرة على اجتنابها، حيث يداوم الإنسان على الذنب حتى يصبح مدمنًا عليه ولا يسهل عليه التوقف عنه.
أما الذنوب التي تهتك العصم، فقد جاء في الرواية عن الإمام السجاد (ع) كما في البحار 70 "والذنوب التي تهتك العصم شرب الخمر، واللعب بالقمار، وتعاطي ما يضحك الناس من اللغو والمزاح، وذكر عيوب الناس، ومجالسة أهل الريب"، فكلما شرب الإنسان الخمر وكرره مرة بعد أخرى فيصبح مدمنًا، وكذلك القمار وكثرة المزاح والغناء ومتابعة عيوب الناس بذكرها أو إعادة إرسالها للآخرين استنقاصًا لهم وتعييبًا لهم، ومجالسة أهل الشك في الدين، حيث يتعمق الشك في النفس، لاسيما ما نعتبره اليوم من موجة الإلحاد الصامت.



