في سيهات.. القابلة الحاجي: واجهنا سياط واستهزاء الكادر الأجنبي بالإصرار والتحدي

تُعد القابلة أو كما تعرف محليًا بِـ"الولادة" فتحية عبدالصمد الحاجي من أمهر القابلات في مستشفى الولادة والأطفال بالدمام، ليس بسنوات خبرتها في مساعدة السيدات على المخاض فحسب، بل لِما تتمتع به من حسٍّ إنساني راقٍ وقدر كبير من الدقة والمهنية والحسم الفوري في اتخاذ القرار، على الرغم من صعوبة مهنتها التي تُعتبر من أصعب المهن الطبية التي تتطلب سرعة في إنقاذ روحين؛ روح الأم وروح الجنين في آنٍ واحد.
القابلة الحاجي التي خاضت مخاض مهنة التوليد في سنٍ مبكرة من مشوارها العملي تؤكد لـ«القطيف اليوم» أنّ الدخول إلى مهنة التوليد ليس بالأمر السهل، كما يعتقد البعض؛ فهي مهنة محفوفة بالمخاطر والمواقف الغريبة والحزينة والمستفزة والمضحكة - مهنة جدية بامتياز -، كيف لا وأنتَ تتعامل مع مريضة متوترة وخائفة وصغيرة أحيانًا أخرى.
وعن تجربتها في هذه المهنة تقول: "التحقت بمهنة التمريض منذ 25 عامًا، وحملتُ شهادة "القبالة"؛ فقد كانت أمنيتي منذ صغري أن أكون طبيبة، ولاستعجالي في الوصول إلى الكادر الصحي اخترتُ مهنة التمريض، والتحاقي بالمهنة لم يكن أبدًا من أجل المادَّة، بل إن عشقي للمجال الطبي هو ما حرّضني على ذلك، بالإضافة إلى أن حاجة المريض إلى أبناء جلدته وقت أزمته ومرضه كان دافعًا آخر لي حرضني لخوض هذا المجال بقوةٍ.
صعوبات وتحدٍّ
وتُضيف: "إثباتي لذاتي هو أكثر الصعوبات التي واجهتني خاصة أننا بدأنا هذه المهنة والمستشفيات لا تزال تعاني من قلة الكوادر السعوديةً، فلم يكن الكادر الأجنبي رحيمًا علينا فقد كان جلادًا؛ يضرب بسوطه على أحلامنا لتحطيم أهدافنا، وذلك بالاستهزاء من طموحنا تارة والتقليل من قدراتنا تارة أخرى، ولم تعلم سياطها الغليظة أبدًا أنها صقلت أجمل ما فينا لإثبات وجودنا وتحقيق طموحاتنا، فشكرًا لهم على ذلك".
لحظة اندهاش
فتحية الحاجي التي تخرجت في معهد التمريض بالقطيف تحكي عن تجربتها الأولى في غرفة الولادة قائلة: "أثناء تدريبي شاهدتُ إحدى الممرضات تحاول توليد سيّدة، وكانت المرة الأولى التي رأيتُ فيها خروج الطفل الصغير من رأسه، وتأملت بكل انبهار شجاعة الممرضة وهي تمسك به ببراعة دون أن يفلت من يدها مبتدئة من الرأس والصدر ثم الرجلين، فأحببت غرفة الولادة وقررتُ الخوض في هذا المجال دون تردّد، وطلبتُ ذلك من رئيسة التمريض فاندهشت لقراري، ومن هنا بدأت مسيرتي في عالم الولادة".
وتواصل قائلة: "لازمت إحدى الممرضات الأجنبيات تدريبي في غرفة الولادة، وعندما اضطرت للذهاب لسيدة على وشك الولادة، كانت أمامي سيدة أخرى أيضًا تعاني من آلام المخاض، فأحسستُ أنها ستضع مولودها، وناديت على مدربتي فلم ترد عليّ لانشغالها بالأخرى، ولم أتحرك من الغرفة خشية ولادة مريضتي؛ فبادرتُ بتجهيزها ومساعدتها على الوضع حتى ولدت، لكني طوال الوقت كنتُ اعتذر لها فربما أنني قد آلمتها دون قصدٍ".
ذكرى حزينة
ولا تخلو غرف الولادة من الذكريات الحزينة التي تظل عالقة في ذهن ملائكة الرحمة إذ تشير الحاجي إلى أن كثيرًا من حالات الولادة التي مرت عليها كانت سهلة مُيسرة، ولكن هناك ولادات كانت صعبة ومعقدة انتهت بوفاة سيدة وهي تضع مولوها تذكرها للآن، رَغْم محاولات الفريق الطبي إنقاذ حياتها لكن مشيئة الله كانت الأسبق.
تمهيد للولادة
وتؤكد أن القبالة جزءًا لا يتجزأ من الطبيبة؛ فهي تعتني بالمريضة منذ بداية المخاض، إلى مراحل الولادة فضلًا عن متابعة حالة الجنين، مشيرة لأهمية جلسات التحضير للولادة قبل الوضع وذلك بالتثقيف الذاتي من خلال قراءة المعلومات المتعلقة بالولادة، أو من خلال متابعاتها مع عيادة الأمومة، كذلك والأهم أن تكون واعية لخطوات الولادة والتجهيز للوضع من خلال بعض التمارين الرياضية الخاصة بالسيدات الحوامل".
طموح وتكريم
فتحية الحاجي توضح أنّ طموح القابلات السعوديات كبير جدًا، يتلخص في مساعدتهنّ على إكمال دراستهنّ، خاصة أنها تُعد واحدة من أمهر القابلات السعوديات في مستشفى الولادة والأطفال بالدمام، وعليه حصلت منذ سنوات طويلة على شهادات تكريم، متدرجة في سلم عملها من ممرضة إلى مسؤولة قسم، إلى مسؤولة تدريب، فضلًا عن شهادات تكريم أخرى نالتها نظير أعمالها التطوعية، وأركانها داخل المستشفى.
وتبيّن أن تكريمها المفاجئ بلقب "الشمعة" من قبل إدارة المستشفى وبترشيح من زميلاتها، احتل جزءًا من قلبها وأدخل السرور عليه، ووقفت مفرداتها حائرة أمام كلماتهنّ، وتصفيقهنّ الَّذِي لا يزال يختزن في ذاكرتها.
نصيحة
الحاجي التي كانت ضمن 40 طالبة تمريض فقط في المعهد آنذاك، ترى اليوم أعدادًا كبيرة تضخ سنويًا من الممرضات لسوق العمل الصحي الحكومي والأهلي، ترى أنه من الضروري جدًا أن تحرص الممرضة على تثقيف نفسها طبيًا متسلحة بكل ما هو جديد في عالم الطبّ، إلى جانب الالتحاق بالدورات التدريبية لتجديد معلوماتهن، لافتة إلى أن التمريض أمانة كلّفن بها قبل أن تكون مهنتهنّ وسبببًا لرزقهنّ؛ فلتحرص الممرضة على أن تكون شمعة لا تنطفئ بعطائِها.
شموخ
القابلة الحاجي التي تقف اليوم بشموخٍ متحدية النظرات التي كانت تنظر إليها خلسة، وتراقب عملها بحزمٍ وجلدة، تهدي نجاحها اليوم إلى روح والدتها المرحومة التي علمتها صغيرة، ووقفت إلى جانبها راشدة كبيرة، حيث تقول: "رسالتي أبعثها إلى الأم العظيمة التي وقفت بجانبي في أدق تفاصيلي، ووجهتني للنهوض بواجباتي، وعاونتني عليها دون منة أو تأفف أو وجع ولسانها يلهج دائماً أنها بِخَيْر مادمتُ بجانبها".



