أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الرسالة المنبرية ما بين الاختيار والاقتدار

إبراهيم الزين · القطيف اليومالأحد 3 مارس 2019، 7:01 ص
الرسالة المنبرية ما بين الاختيار والاقتدار

ربما يتوقف البعض عند طرحنا هذا بشكل أو بآخر، ولكننا سوف نقدمه محترمين من يختلف معنا فضلًا عمن يتفق، فنبدأ أولًا بتقديم الشكر الجزيل لسماحة الشيخ محمد العبيدان على ما قام به مشكورًا من خلال جلساته النقدية والنقاشية لمحاضراته بمناسبة عاشوارء الجليلة الفائتة، ورغم أننا لم نوفق لحضورها، ولكننا على ثقة فيما يطرحه سماحته، سواء على المنبر أو في مختلف نشاطاته وفعالياته الدينية بتنوعها.

وما قدمناه ليس هو الموضوع الذي نود طرحه، مع إجلالنا وتقديرنا لخطوة الشيخ أبي أحمد، حيث نظن أن ما فعله ما هو سوى رسالة للجميع توحي بأنه ليس هناك من هو فوق النقد، ولا يوجد ما يمنع من عرض ما يطرحه المنبر على طاولة النقاش والنقد من أجل أن نصل بما يقدم من مادة ومواضيع إلى الغاية المنشودة من المؤمنين، فنبتعد بالتالي عن الجدل العقيم الذي يطل برأسه سنويًا لأغراض مختلفة ليس هذا وقت أو مجال طرحها.

إن موضوعنا نلخّصه في القول بأن المنبر هو المدرسة الأولى، وكذلك وسائل أخرى أنعم الله بها علينا، تخرج من تحت منابرها باطراد من يطمئن على سلامة دينهم ومعتقدهم، واستقامة سلوكهم وأخلاقهم في الحد الذي يتماهى مع عبوديتهم لله (عز وجل)، ويتوافق مع إنسانيتهم كونهم أفضل مخلوقاته (سبحانه وتعالى).

ما هو مأمول في الحد الأدنى من أرباب المنابر ومرتقيها أمران هما: حسن الاختيار والقدرة والاقتدار.

فأولًا: الاختيار والذي يتمثل في إيجاد وتمكين الخطيب القادر على إيصال الرسالة الحسينية مضمونًا ومفهومًا ومعنى وهادفية، من خلال إحاطته بالمعرفة المرجوة.

وثانيًا: ضرورة إجادة الطرح المطلوب والقدرة على إيصال الرسالة المرجوة لشرائح المجتمع المتواجدين تحت المنبر بمختلف طبقاتهم وثقافاتهم، وكذلك حاجاتهم.

وهنا نريد أن نقف قليلًا عند المجالس النسائية لنشملها في المطلب والتي حان الوقت لتطويرها والارتقاء بها، حتى تصل الفائدة منها لجميع فئات النساء، مع احترامنا وتقديرنا للمؤمنات الزينبيات اللاتي يقضين معظم أوقاتهن مع الحسين وأخت الحسين من مأتم لآخر ومن مجلس إلى مجلس، لا يفترن ولا يمللن من التواجد مواساة ومشاطرة في الأحزان والأفراح؛ لذا علينا أن نعترف بافتقار الكثير من النساء إلى وسائل اتصال مباشرة تفقههن في دينهن خاصة الفتيات الشابات منهن واللائي لا يذهبن للمجالس المعتادة حيث لا يجدن فيها ما يأملن من الفائدة فنراهن يقبلن على المجالس الرجالية، فلعل وعسى أن يحصلن على مرادهن في بعضها، وإن بدأت فيما يبدو بعض الأخوات المؤمنات اللاتي نلن حظًا من العلوم الدينية في تنظيم طريقة المجالس النسوية، وهي بادرة نأمل أن تتطور لتكون فائدتها تمامًا كما هي فوائد مجالس الرجال، حتى ينلن ما يناله الرجال، ويعلمن ما هن غافلات عنه إما لتقصير، أو انعدام الحيلة.

نعود ونقول: "إن الجودة والإجادة لن تكون متوفرة سوى من خلال فئة واحدة وهي فئة الخطباء العلماء، وهو المرجو للنساء أيضًا من خلال وجود أو إيجاد القادرات علميًا ودينيًا على ذلك، ممن يعول عليهم وعليهن كثيرًا لإيصال المادة المهمة والتي ينشدها أفراد المجتمع سواء في الأبعاد الفكرية والمعرفية والثقافية العامة، أو في المناحي الدينية العبادية، العقائدية والفقهية، وخلافها".

ونحن لا نقول: "إن باقي الخطباء - حفظهم الله - لا يمكنهم ارتقاء المنبر"، فلكلٍ نهجه، ولكلٍ مستمعيه، ولكن بشرط الالتزام بالحدود التي يجيدون يقينًا تعاطيها، فالبعض منهم وهم كثر لم ينالوا من الحظ ما ناله الخطباء العلماء، ولهذا فإن شرط الالتزام والحذر من أن يخوضوا في أمور هي ليست من اختصاصاتهم الخاصة أمر مهم جدًا، وخاصة تلك التي تخص الدين بتفريعاته، فيتوجب عليهم أن ينسبوا الأمور إلى أهلها إذا ما تطرقوا للجوانب الشرعية والفقهية والعقدية، وبالاسم والمصدر، وهذا ما يفعله بعض الخطباء لدرجة أنهم يقرأون من ورقة تتضمن من يريدون ذكره ومن مصادره الأكيدة مما يضفي مصداقية وثقة واطمئنان لدى المستمع على مسار المحاضرة، وإلا فإن عليهم الالتزام بالسيرة والسرد الروائي، وبحذر أيضًا من خلال التأكد من صحة الروايات وواقعيتها مما يستطيع المستمع تقبله، وبعيدًا عن الحشو الذي لا يستند إلى حقائق ومصاديق ملموسة.

ونحن لا نريد الخوض في هذا الموضوع الذي هو من مهمات واختصاص الخطباء والعلماء ليستخلصوا لنا مادة منبرية ذات فائدة شاملة وبعيدة عن الجدل والذي يصل أحيانًا لحد الشقاق.

إن ما انفرد به سماحة الشيخ - حفظه الله - من إقامة تلك الندوات النقدية لمحاضراته في الوقت الذي هو في غنىً عن ذلك، ما هو إلا طريقة أراد بها إيصال رسائل عدة للمهتمين بالأمر، واحدة منها على ما نعتقد هو ما ذكرناه آنفًا، وإن كان بتفصيل مختلف، ونحن نضيف أيضًا أنه بإلإمكان العرض والنقاش وعقد الندوات المسبقة بين الخطباء على اختلافهم للوصول لما يكفل أن يجعل الطرح على المنابر طرحًا يصل بالفائدة إلى أهدافها المطلوبة، ويحفظ الرسالة الحسينية بعيدًا عما يشوبها من شوائب كثر حولها الجدل الذي يجب أن يتوقف حتى لا تتأثر السيرة الحسينية العطرة تأثرًا سلبيًا وبالتالي الرسالة ذاتها.

إن الحقيقة الوحيدة الماثلة أمامنا هي حقيقة الملحمة الحسينية والتي انتهت فصولها باستشهاد الإمام الحسين وأهل بيته (عليه وعليهم السلام) وأصحابه (رضوان الله عنهم)، وإن ما تخلل ذلك ما هو سوى سيرة معرضة للزيادة والنقص والاختلاف والصدق والكذب على مدار الأزمنة والدهور، ولكن تبقى الحقيقة ماثلة وجلية وهي أن الحسين (عليه السلام) قد انتصر بمقتله، واستقام الدين باستشهاده، وأدى رسالته كيفما أرادها الله (عز وجل) له (عليه السلام).