أبي يرحل عنا

لثلاث ليال ماضية لم أذق طعم النوم ، وطيس السعال يشتد أواره بمجرد أن أضع رأسي على المنام، يلهبني اختناقًا فاطسًا والصدر أنينًا، لم يغمض لي جفن ولم تهدأ الأنفاس.
ظهر الثلاثاء
خرجت من المدرسة خائر القوى، أنشد النوم قيلولة قبل وجبة الغذاء، أقفلت الجوال، وتلحفت برداء من ضجر، طلبت من أم أولادي عدم إيقاظي مهما كانت الأسباب، دقائق معدودات وهي واقفة على رأسي، نبهتني من إغفاءة لم يستقر مقامها، قالت لي: "للتو اتصلت بي عمتي وهي تناديك تقول خليه يجي يشوف حال أبوه، فلا يوجد أحد من إخوانه في البيت"، سألتها: "هل حدث شيء محزن لأبي؟"، قالت: "لست أدري"، تحركنا على عجل يرافقنا ابننا محمد، وصلنا سريعًا لبيت الوالد، حائرين في وجوم، أمي وأختي فاطمة والأحفاد وزوجات الإخوان استقبلوني بالبكاء والآهات، أبي ممدد دون حراك والشك والحيرة والأنين مرتسمة على بقية وجوه أهل البيت يتقلبون بين بارقة أمل وغصة قنوط، تتداخل الأصوات: "يا أبونا.. يا عمنا هل أسلمت الروح أم ما زال في العمر بقية"، تحسست يدي أبي، واضعًا رأسي على صدره، لعل أذني تلتقط دقة تائهة بين الضلوع، جاء أخي عبد المنعم عاين الوالد لمسًا بعد لمس، قلبنا كفه وتحسسنا العروق، يد يابسة، تهوي كورقة خريف، تيقنا بأن الله أخذ أمانته، فلا حراك يرتجى ولا نفس منتظر، نبض توقف وقلب ودع الحياة.
أجهشنا بالبكاء على مرارة الرحيل، تلتهمنا الحسرة لأب مات عطشانًا دون أن يتمكن أحد من غرته بقطرة ماء، بكاء يوزعنا دموعًا بين أخي الأصغر وابني الأكبر، يتصاعد إيقاعًا مع صراخ النسوة، امتلأ المكان ضجيجًا ونحيبًا، رفعنا الجسد النحيل، ووضعناه داخل سيارة إسعاف جمعية تاروت بمساعدة أبناء عمي عبد الرسول، انطلقت عنهم وحيدًا والسائق يمخر زحمة الشوارع قاصدين مستشفى القطيف المركزي لاستخراج شهادة الوفاة والتصريح بالدفن، طوال الدرب وصولًا ورجوعًا، التفت لوالدي بين لحظة وأخرى، فينبعث من جسده الهامد حوار صمت، فأجيبه بكلام شارد، أجر الآهات وحشرجات من سعال، أحسبه يسمعني، وأمني النفس بأن يجاوبني بكحاته المعهودة، التي أطرقت سمعي منذ وعيت للحياة، أميزها من بين آلاف الكحات، هل انطفأ صوتك يا أبي، أما من كحة توقظك من مرقدك كما عودتنا سنين طويلة، تصحو وتتلو استغفارات متتالية، أم هذه نومتك الأبدية.
بلغني عند أذان الظهر وعلى وقع صوت الله أكبر، خرجت روحك يا أبي وصعدت لبارئها، لقد غادرتنا بهدوء، أمسح الدمع والفكر سارح، أنظر للجسد المسجى تائهًا واستشعر توهمًا كأنه يتحرك، هي المطبات تهزهزه مثل المنز، كم هدهدتني يا أبي طفلًا رضيعًا فرحًا بي، كنية باسمي ينادونك به طوال 60 عامًا، كيف أشكرك يا أبي وأنت سبب أصلي في الوجود، أي شكر يسمع عند لحظات الوداع الأخيرة، وأي حديث يقال، قلبي يعتصر لأني في حقك مقصر، رحلت عنا يا آخر كبير عائلة آل شلي، وكل من يمتد لنا في النسب، أنت الكبير بجلال قدرك، بقوة إيمانك، بإحسانك، بورعك، بتقواك، بصبرك.
رحلت يا أبي وأخذت جزءًا من حياتنا، وجودك كان بركة وطمأنينة علينا.
تلك هي الأيام داولتك بين صبا وكهولة وشيخوخة، سنين قلبتك وأحزان لفتك، لقد عشت في كبد، والذكريات معك صناديق شجية وصناديق مضنية، أي صندوق أفتح والقلب مهموم، سأرجئها إلى حين، إن القلوب مغاليق، مفتاحها الصبر والكلمة الحسنة، أي صبر كنت فيه يا أبي، كلامك منطوق بطيبة وحسنى، نقرؤك والرضا باسط على محياك، قانعًا بما قسمه الله لك في هذه الحياة، عشنا معك يا أبي أيامًا عبوسًا وشموسًا، وأبلغتنا حكايات فرح من ربيع وحزن خريف، وقصصت علينا لواهب قيض، وأفضتنا بدفء الشتاء، اختلاجات مشاعر وأحاسيس تتوزع لسنين خلت، فقد أوجعتنا بسرد أيام عز أباك الذي دام ردحًا من الزمن وبين ليلة وضحاها تلاشى كل شيء.
أعطيتنا عمرًا مليئًا بشواهد وأسرار وصور، مخبأ بين كنوز الذاكرة.
يا أبي قبلتك آخر قبلة وأنت مسجى على النعش، وجميع الأهل من حولك يقبلون جبهتك الساجدة لله خشوعًا، الأحبة يلقون عليك النظرات الأخيرة والأعين تفيض بالدموع، إخواني وأخواتي قطعوا نياط القلب بالبكاء والنحيب، فهم من تناوبوا على رعايتك والسهر معك، لم تكن يا والدي طريح الفراش زمنًا، فقط أيامك الأخيرة بت لا تقوى على شيء، لأنك لم تبتلى بأمراض العصر كنت بعيدًا عن المكوث في المستشفيات، باستثناء عمليتين أجريتا لك منذ زمن (فتق اربي، والأخرى للعين)، الهرم وحده هو من أقعدك، قبلات الوداع الأخيرة تتراسل وجسدك الطاهر بالغسول تفوح منه روائح السدر والكافور.
قلبك يا أبي طاهر من أرجاس الدنيا، لم يحمل حقدًا ولا غلًا على أحد، كافحت طوال عمرك في كد وتعب وعيشة من ضنك، مغتربًا في مدينة رحيمة، تعيش بين جدران دكان متواضع، وأخذتني معك بعد أن بلغت العامين، علمتني الحروف قبل دخولي المدرسة بشهور، عرفت الأبجدية من لسانك وأنت تشير لي عبر الدفاتر والكتب المزينة بالرسوم والمذيلة بالكلمات، دفاتر متنوعة وكتب مدرسية مقلدة كانت متوفرة في دكانك للبيع، عودتني على مطالعتها طوال الوقت، أفادتني وأعانتني قدمًا لعشق الحرف واللون.
وحين بلغت الثامنة من عمري أرجعتني تاروت إلى دفء حضن أمي التي فقدت حنانها ستة أعوام، لكنك يا والدي كنت أبي وأمي، أنت أول من دربت لساني بنطق الحرف والأسماء ومعرفة الأشياء، وأسمعتني تراتيل القرآن منذ نعومة أظفاري، وأجبرتني على التلاوة وقتما أكون جالسًا بالقرب منك، ولم تكتف بذلك أرسلتني إلى معلمتين ومعلم، درست القرآن على يد الحاجة أم شاكر السني وبعدها عند أم علوي الدعلوج، كان ذلك في ربوع الديرة، ثم نقلتني عند الحاج أبو عبد بن درويش أتعلم مع الصبية تحت ظلال النخيل، كان همك أن أتمكن من قراءة كتاب الله بيسر وسهولة قبل أن أبلغ الحلم، كم كانت أحلامك لي كبيرة، وكم ألفيتك والمصحف بين يديك مرات ومرات، حتى استشعرت أنه ملتصق بين راحة يديك، وحين عجز بصرك، قرأته ببصيرتك ووجدانك، لسانك يردد الآيات آناء الليل وأطراف النهار، حديثك العادي والمسترسل والقصير والمجتزأ معطر دائمًا بذكر الله، مؤمنًا به قولًا وعملًا وتذكرنا دومًا، {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} آية جعلتها نبراسًا لك في الحياة، الطمأنينة تعلو من نفسك الأبية، فلم تجزع لفقد إخوتك وأخواتك، تسمعنا هدوءك الرزين ولسانك الطلق الرصين، وتقول "هذا شأن الله في ملكه"، وتؤكد: "أين ستفرون من الموت فهو ملاقيكم"، وحين يأتيك خبر وفاة أحد الأهل أو من معارفك، أو أصدقائك تقول "الموت حق"، ولا اعتراض على حكم الله، وتهدئ روع الفاقدين بالآيات المحكمات التي تدعو للتواصي بالصبر والتسليم لقضاء الله، إذا سلم عليك المقربون منك وهم قاصدون عمرة أو حجًا أو زيارة العتبات المقدسة، تسمعهم "اغتنموا الفرص فإنها تمر مر السحاب".
كل موقف أو شكوى يصلك من شقاوة الأحفاد أو غيرهم، تقول لنا: "ادعوا لهم بالهداية، والله سيستجيب دعاءكم، وسيوفقهم الله"، وإذا تناهى لسمعك، غيبة من أحد لا ترضى بذلك، تقول لنا: "لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس السن، ولا ترضى امتداح النفس"، مستشهدًا بالآية الكريمة {لا تزكوا أنفسكم الله يزكيكم}. ودائمًا تنصحنا بعدم التأخير عن الصلاة وتقول لنا "حلت وجبت".
وحين بلغت يا أبي من العمر عتيًا تسمعنا "بقاء الحال من المحال"، "ومن نعمره ننكسه"، وتردد مع دقات قلبك، الحمد لله في السراء والضراء.
يا أبي هل سئمت تكاليف الحياة، لكن الحياة وهبتك عمرًا مديدًا قضيتها في ذكر الله وطاعته، بلغت قرنًا من الزمان بفضل إيمانك والصدقات، لم ترد سائلًا مطلقًا أو متسولًا محتاجًا أو كذوبًا، كل من يقصدك تبصره بنواياك الطيبة، كل في نظرك صادقون، يداك صافحت الخير، ولك الفخر بأن أباك شيد واحدة من أقدم الحسينيات في منطقة الديرة بتاروت وكتب لها أن تبقى صامدة بفضل أخيك الأصغر، عمي عبد الرسول ثم ابنك عبد الحي وبقية الإخوان وأولاد العم، مجلس لم يزل نوره مشعًا بذكر آل محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين، مجلس تعزية تأسس قبل ميلادك يا أبي، رحلت عنه وجنباته تذكرك بالحنين يا خير القاصدين أنك أحد جلاسه المخلصين مع ثلة من الرجال المؤمنين، حسينية صغيرة بحجمها عريقة بتاريخها.
نعم يا أبي لقد عشت كافًا عن كل جدل عقيم، عافًا عن أي قول مشين، مسالمًا مع الكل وجميع الناس، غاض الطرف عن كل ما يسيء النظر.
حينما أنهكك الكبر، وصرت لا تقوى على الحراك اهتم بك الإخوان تتقدمهم الوالدة أطال الله في عمرها وأختي فاطمة، وزوجة أخي عبد الحي اعتنوا بك بكل ما أوتوا من قوة وطولة بال، وتجلدوا بالصبر وسعة خلق، سهروا وبذلوا صحتهم من أجل راحتك، يا أبت يا من ربيتني صغيرًا هل رددت إليك الجميل؟ نسأل الله العفو والقبول.
ألقيت عليك آخر نظرة قبل أن توارى الثرى، وهمست لك والبكاء يزلزلني سامحني يا أبي عن أي تقصير، سامحني لأنني لم أتبع وصاياك، فلم يزل ابنك الأكبر شقيًا في هذه الحياة.
يا أبتي أنفاسك أسمعها بين دكاكين رحيمة و"اللينات" وأرى ظلك أمامي يقودني وأنا طفل نحو المسير، يداك تنتشلني كلما كبوت وتقول لي الله يهديك يا ولدي عبد العظيم.
كم أتمنى الهداية في حضورك والغياب، أتمناها لكل الأحبة وكل الناس.
يا أبي نم قرير العين، فقد أديت الأمانة، ولديك أبناء وبنات وأحفاد كلهم بررة، رحلت عنهم ونفسك مطمئنة.
همسة قلبية:
ألف تحية لكل من حضر لتعزيتنا ومواساتنا سواء بالحضور أو بالاتصال.
عاجزين عن الشكر لكل الإخوة والأخوات من داخل المنطقة ومن خارجها، شكرًا لمساعيكم النبيلة وأبقاكم الله في خير.



