الحب وحده لا يكفي..!

هناك أنواع ومسمّيات عديدة للحب وكل نوع منه يبحث صاحبه عن تحقيق مصلحة وحاجة معينة في نفسه وقد يخالفني أحدهم الرأي فيقول: كيف يتسنّى للحب أن يتنوع بهذا الشكل وهو في عرف أهل الأخلاق حباً فريداً من نوعه لا يمكن له أن يتّخذ أشكالاً أخرى مهما كانت الدوافع والمبررات؟
ومع أنني أتفق مع أي رأي يخالف رأيي لكن مع ذلك أقول: إنه بالإمكان الاستفادة من الحب ليكون حاضناً لأنواع أخرى من المشاعر قادراً على تحقيق وتجسيد الهدف الأسمى للحب، فالحب في حقيقة الأمر لم يُخلق لخدمة الأنا، إنما هو حق للآخرين وهم أولى بالانتفاع به قبل صاحبه فأن تحب إنسانًا يعني أن تمنحه كل الحب بلا منّة وبلا تردد، ومع ذلك هناك بعض الناس للأسف الشديد يستأثر بالحب لنفسه لا يتنازل عنه ولا يستغني عنه إلاّ بمقابل وإذا ما فكّر يوماً في منحه لغيره صنع منه أنواعاً ونماذج أخرى تكون له جسراً توصله إلى مصالحه وخدمة أغراضه الشخصية، وهذا الحب المصنّع إذا جاز تسميته لا يحقق الغاية الجميلة والمقدسة لمفهوم الحب وأجزم أن كل حب يُساء استخدامه أو يُعاد تدويره بطريقة مغرضة وخاطئة فهو حب تجاري وعقيم لا يرتقي بعلاقات الناس ونتائجه الختامية على الأغلب مؤلمة وكارثية تقود المجتمعات إلى شفير من التباغض والتنافر والانقسام على نفسه.
لذلك نحتاج في حياتنا دائماً إلى الحب العذري المفرّغ من النفعية والتكسب والتملق والتسلق الذي يتدفق من أعماقنا وجوارحنا بكل صدق ليكون نواة صالحة لأسرة ناجحة وحجر أساس متين لجيل واعد يحمل على عاتقه مسؤولية بناء مجتمع متماسك ومتسامح ومتصالح ومتعايش، حب ثابت وراسخ وطاهر ومستقيم لا يتغير بتغير الظروف ولا يتبدّل بتبدّل المصالح والغايات.
بعبارة أخرى: كثير من الأشياء الجميلة حولنا تملك القدرة على التنوّع والتطوّر والانتقال من شكل لآخر وربما طبيعة الحياة هي كذلك لا تستقر على وتيرة واحدة ولا تعرف البقاء على نمط واحد ولا على صيغة واحدة تتسارع بتسارع الزمن وهي ظاهرة جميلة لأنها تكسر رتم الحياة اليومي الرتيب وتنتقل به إلى إيقاعات موسيقية مختلفة، وكلّما اتّخذ الشيء الجميل قالبًا آخر ذا طابع جمالي مختلف كلما أضفى على الحياة جمالية وجمالًا آخر والإنسان نفسه هو من يلعب الدور الكبير في قولبة الأشياء من حوله وتصنيعها إلى منمنمات فاتنة وزخارف هندسية ساحرة ترسم خطوطًا مشعّة تجعل من الحياة طريقاً مفروشاً بورود المحبة والسعادة.



