أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الثلاثون

طاهرة آل سيف · القطيف اليومالأحد 10 مارس 2019، 6:39 ص
الثلاثون

تبدو الحياة في أيامي هذه كهرمٍ وقد بلغتُ قمته ببلوغي الربيع الثلاثين من عمري، وأراني أنظر للأيام من خلفي وقد تسحبت مترفقة كغيمٍ أبيض مر في يوم صافٍ على صفحة السماء، وما لبثت رياح العمر أن أتت عليه وفرقته، ثم جاءتني بأيامٍ جديدة على عمرٍ جديد من غير إرادةٍ مني أو اختيار.

على أيامِ العشرين سلام رقيق كريح الربيع إذا هب متلطفًًا على وجه الزهور، فبها كانت أول الخطى نحو ساحة الحياة الواسعة والتي ما خضتُ عباب موجها إلا حين أفلتني العمر من حضن أمي وكفلني يدُ الحياة تعلمني ما لم أتعلمه في عشي الأول، ثم تبدت لي الدنيا بوجهها المشرق، صافحتني وذهبت تحلق بي في سمائها كحمامة بيضاء أغدو وأروح لا يثقلني هم ولا يقعدني فوات مأرب من مآربي، إن غنمتها اغتبطت، وإن غرمتها فغدًا يحتمل البشرى، وكانت نفسي أقلّ تحملًا وأكثر اندفاعًا لفورة ما تحمل طلعة العشرين من انجذاب نحو كل بريق يعشي بصر الناظر عن زيفه، وكنت لا أرى في الدنيا همًا أثقل من ذهاب صديق، أو عتاب حبيب، أو نظرة شزرة يرميها حقود، أو كلمة فظة يلقيها ثقيل، فأباتُ ليلتي دامعة أن قد هويتُ من منزلتي في قلب أحدهم، وكان أهم أمري أن أفوز برضا الخلق فاشتغلتُ برضاهم أكثر من رضا خالقهم، وكانت الحياة البهيجة في نظري لا تليق إلا بالأحسن والأجمل والأجود، وحملتُ نفسي قسرةً من أجل الغنم بحاجيات لم تضف لحياتي شيئاً إلا كمن اختار أن يأكل بآنيةٍ من ذهب على أن يأكل ما فيها بآنية من فخار، غير أني عشتُ كمن عاش مثل عمري حياة ذاتية ضمنية في حياة الغير، أخاف مخالفة ركبهم، أوالتغريد خارج سربهم فأُتهم في نفسي بغرورٍ أو كبرٍ أو فلسفةٍ فينفضوا من حولي ومن ثم لا أحظى منهم باستحسان أو قبول، وكان الموت بعيداً عن ذكري فقد خيل لي أن الحياة كزورقٍ استقللته في بحر هادئ لا مرسى له وأن ذلك الزورق الجميل لن يلوي طريقه يوماً أو يهوي في القاع ولن يتوقف عن اندفاعه، وأن الوقت في اتساع والأحلام تغفو بهدوء على عقارب الثواني والأيام من غير ضبط منبه لتحقيقها، لم آسف على أيامٍ قد خلت غير أني قمتُ بما تطلبه تلك الأيام من أبنائها وبما يقتضيه ذلك العمر، لكني حين مررتُ على مجامع فتيات العشرين الحافلة بالنشاط والمرح والسرور، فرأيتُ نفسي في منأىً عنهم لا صلة لي بعالمهم ولا شأن لي باهتماماتهم، وأن اللاتي كبرت معهن وصديقاتي اللاتي نشأت معهن جُلّنا أصبحنا أمهات واستقرت بنا مراكب الحياة فانتقلنا من النظر في شؤون أنفسنا ومستقبلنا إلى النظر في شؤون أولادنا ومستقبلهم، وتحولنا من الاهتمام باللقاءات والاجتماعات إلى الاهتمام في شؤون أسرنا ومنازلنا، فذهبتُ إلى أمي سعيدة وخائفة! تماماً كيوم ألبستني الحجاب وهمست لي بانتقالي من عمرٍ إلى عمرٍ جديد حينها تمثلت لي المسؤولية في أولى وجوهها وكأنها ذلك اليوم!

حتى أدركتُ أن الأيام أتت مسرعة تسوق لي عقداً جديداً، فاحتجب عني ما كنت أبصره بالأمس، فرضيتُ بالجيد والحسن والجميل، وانصرفتُ عن الأجود والأحسن والأجمل، وأنستُ بصحبة قليلة، وبدأ سيف الوقت يقطع الساعات والأيام بسرعة جنونية فرحتُ أسابقه حتى أحقق أحلامي، وكانت لي شهادة جامعية آثرتُ أمومتي عليها فكنت محط عتب المحبين وشماتة الباغضين، وداريتُ غصتي في نفسي من أجل أن أنعم بنعيم الأمومة كما أشتهي وأرضى، وأودعتُ شهادتي درجاً للذكريات في سبيل نظرة من عيني صغاري أودعهم بها في غدوهم واستقبلهم بها في رواحهم، وتذكرتُ جلستي في سكن الطالبات أذاكر دروساً في طلب العلم، واليوم أذاكر دروساً لتربية أطفالي وأبحث عن الحلول لمشكلاتهم الصغيرة، ووجدتُ في روحي رحابةً في العفو عن المسيء، والإدبار عن الجدل الذي لا غاية منه، وتقبل الآخرين على اختلاف آرائهم وأنماطهم، وانتقلتُ من السعي لكسب رضا الناس إلى السعي لكسب رضا الله، فمددتُ يد العون والإحسان لا من أجل مكانة أكسبها بين الناس ولا من أجل نظرة إجلال تبوئني منزلة شريفة بينهم بل كانت لوجه الله لا يخالطها ما ليس له، وقربت خطواتي من مجالس النفع والفائدة وباعدتها عن مجالس التسلية، وأدركتُ أن شاطئ الموت قد يكون وشيكاً من حيث لا أحتسب ورحت أتزود من قيم الدنيا وألفظ قشورها، وتبدلت الأيام التي كنت أحتفي بها من احتفالات ضيقة بعيد ميلادٍ أو تخرج إلى احتفالات أوسع قدراً وأعلى مكانةً في يومٍ للمرأة ويومٍ للأم، وسألتُ الله أن أكون أهلاً لتلك المكانة الكريمة والرسالة العظيمة، وكلما دعتني الدنيا للاحتفاء بكياني وشقت لي الصفوف لأتبوأ من المجتمع نصفه قبضتُ على حجابي وتذكرتُ وصية خير لرسولٍ كريم لمن وأدوا فتياتهم يوماً ورجوتُ ألا يوأد حجابهن اليوم.

وحتى تتنصل الشعرة البيضاء من بين تصاريف الزمن وتعلن عن مشارف الأربعين سنة، أوزعني ربي أن أشكر نعمتك وأن أعمل صالحاً وأصلح لي ذريتي حتى أنحدر إلى الجهة الأخرى من هرم الحياة وأصل السفح بسلام.

والعـمرُ مـدَّته كمـثل دراهـمٍ
بيدِ الفتى يشري بها حاجاته