أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

السرائر

طاهرة آل سيف · القطيف اليومالثلاثاء 12 مارس 2019، 7:38 ص
السرائر

لو تكاشفت الصدور بمكنوناتها لبعضها البعض لارتد على الأعين بصرًا جديدًا، كحال أعمى رد الله على عينيه نورًا بعد سنين من الظلام.

عشقتُ رسم الوجوه وقرعتُ له أبوابًا من أساتذته ومحترفيه، قالت لي أستاذتي في الفن: اقرئي سر القسمات المتفرقة على صفحات الوجوه، أمعني النظر في اختلافات خلقة الله، دققي في الجبهة العريضة فوق العينين الصغيرتين، أو الجبهة الصغيرة فوق العينين الواسعتين، أو الشفاه الصغيرة فوق الذقن المدبب، أو الشفاه الممتلئة فوق الذقن المقمم أو الأنف الصغير ما بين وجنتين دائريتين، أو الأنف الكبير في الوجه الطويل، وقبل أن تبدئي برسم صورة الوجه اجعليها تختمر أياماً في حافظة رأسك حتى إن أغمضتي عينيك تراءت لكِ القسمات جليةً، ثم انظري في سر الملامح فلها عند العرب من الفراسة نصيب، فقيل في صاحب الشفاه الصغيرة أنه قليل الكلام، وأن ذا الجبهة العريضة قد أصاب ذكاءً، وأن ذا الأنف الكبير فضولي، وذا الحاجبين العريضين متسلطًا، وأن ذا الشفاه الممتلئة مفوَّه، وإن كذب الحديث أو صدق، لكنكِ ستكونين قد اصطدتي بعضاً من خيوط شخصية الصورة وأسرارها، وتشكلت بينكِ وبين اللوحة علاقة سريعة، تلك العلاقة سر من أسرار انسجام الرسام ولوحاته، فراق لي ما نصحتني به فكنتُ إذا أقبلتُ على رسم أحد الوجوه أقرأه بما هو خلف صورته المادية فأصيبُ نجاحاً فنياً يرضيني في غالب الأحيان.

وفي باطن الأمر ما كان ذلك إلا درس فراسة وفنًا لكشف المكنونات والتي غالباً ما يرى فيها الإنسان غلبةً وانتصاراً في نفسه أن قد وقع على سرٍ من الأسرار المحتجبة عنه، شأنه شأن أبيه يوم وقف على باب السريرة يعالج نفسه عند شجرة الخلد فاستعصى عليه ذلك، ثم جاء من خلفه أبناؤه فلم يتركوا باباً للسر إلا وطرقوه، فهيأوا الحديد والصفيح وبلغوا فوق الجبال طولاً وطاروا في الجو ونظروا في النجوم والكواكب والمجرات ولم تسكت عنهم أصوات السماء، حتى لج بهم الشوق أن يقعدوا على وجه القمر ففعلوا، ثم نظروا في الأرض واخترقوا منها الطبقات والمحيطات وشاهدوا ما في بطنها من عجائب المخلوقات، وإن سكنت حركة أحدهم وجلس تحت نافذة غرفته يستريح ذهبت بلبِّه تلك الهوام الصغيرة التي تدور في الفراغ كما تدور الأفلاك في الفضاء، والتي أظهرتها خيوط من أشعة الشمس في ذات ظهيرة فطارت بعقله فلم يهنأ له عيش حتى اخترع المناظير واستعان بها على تصوير صغائر الكائنات، التي حُجبت عن بصره الواسع والذي احتوى الكون كله بنظرة واحدة وضاق عن النظر إلى تلك الجزيئات المتناهية الصغر، ولم يبق حجرًا ولا مدرًا ولا خلقاً إلا وكشف سره ومكنوناته فتعلم قراءة الآثار وتتبع سكنات الخلق وحركاتهم فوضع علماً متفرعاً في ذلك من الفراسة (دراسة ملامح الإنسان)، والقيافة (فراسة أعضاء الإنسان) والعيافة (فراسة الأثر)، والريافة (البحث عن الماء)، لكنه بقي واقفًا أمام باب السريرة عاجزًا عن اكتناهها ولم يجد إلى بلوغها سبيلًا، ثم ظن أن مفتاحها معلقًا على باب السحر، فذهب للسحرة والعرافين والمنجمين، وبذل لهم غالي الأثمان فكذبوا حين صدقوا، فخابت آماله وانفض من حولهم وعرف أن بابها لم يخلق بمفتاح.

ينظر الإنسان في حياة أخيه فيرى أن له نصيبًا من الحياة أوفر منه وأن الدنيا قد بسطت قاعها له بسطاً انعكس على راحة وجهه، ورغدة عيشه، وافترار ثغره، فيتمنى نعمته ويرجو من الله أن يبدل عيشه بعيشته، لكنه لم يعلم وهو على ذلك المتكأ من رغدة العيش أن قد يكون له مرض عجز عن شرائه بأبخس الأثمان أو هماً يعتلج بصدره يستغيث في سبيل الخلاص منه، وأن الدنيا المتسعة تحت قدميه قد ضاقت في نفسه.

وينظر في الفقير فيرى شظف العيش، وقد انطبع على سيماء وجهه أثر الشقاء، واحتز حبل الفقر عنقه حتى بدا جسمه نحيلاً، وثوبه بالياً، وبيته مهترئاً، ولم يبق له في معظم الليالي ما يسد به جوعه، فانصرف وحمد ربه أن حاله أفضل من حاله ونعمته أوفر من نعتمه، ولم يعلم أنه سعيد في فقره، هانئ في عيشه، يبات بطنه خفيفًا لم تثقله لقمة ليست له، ولم يلبس حريراً يثقل نفسه بكبرٍ أو غرور، وأن الدنيا لم تملكه بسلطانها، وملكها بتحرره من جواذبها.

لكنها السرائر التي تتمثل في ابتسامة صديق لك وقد فاض قلبه قيحاً منك، وفي سبحة مرائي نطقت حباتها ما لم ينطق بها سره، وفي مظاهر كثيرة كذب ظاهرها على باطنها، وكثر في زماني ما يروق للبشر من كشف الأسرار ففتحت البيوت أبوابها ونوافذها ودورها ولم يبق للمستور حجاباً يدارى به عن الأعين، فتشاركوا الأكلة والشربة والنزهة وانكشفت الحجب عن كل ما يجب أن يرى وما لا يرى، ولم يبق غطاء إلا ورفع، إلا غطاء الصدق بقي مستوراً ولم يُعرف له سبيل، وغداً سينصرف الجمع من حيث اجتمعوا، حين ترخي الأسرار لثامها عن وجه الكذب.

لقي ضبع تمساحاً في العشية على شاطئ النيل، واستوقف كل منهما الآخر، تكلم الضبع وقال: كيف يومك يا سيد؟ أجابه التمساح قائلاً: قضيته على أسوأ حال، وإني لأبكي أحياناً في أساي وعنائي، والكائنات من حولي تقول دائماً: (ليست هذه سوى دموع التمساح)، وهذا يجرحني إلى حدٍ لا سبيل لوصفه، قال له الضبع عند ذاك: إني لأحدق لجمال العالم وغرائبه وبدائعه، وأضحك عن فرحٍ خالص يفعم نفسي، غير أن أهل الأدغال يقولون:(ليس هذا سوى ضحك الضبع).