رَذاذُ عَـتَبْ

يُحكى أن العتب جلس أمام بُحيرة وأخذ يُفضفض لها، فما كان من البُحيرة إلا أن تفاعلت معه، إن قال شيئًا فيه ضيق نثرت رذاذها عليه تُلاطفه، وإن قال شيئًا فيه حنق اضمحلت، وإن قال شيئًا يفيض حبًا وشوقًا ولهفة تراقصت موجاتها مع النسمات على وقع كلماته..
وعندما انتهى سألته البُحيرة:
لماذا تعتب..؟
تنهد وهو يُجيبها ويقول:
آه.. أعتب أيتها البُحيرة لأن من أُعاتبهم لهم في الخافقين مكانة وحضور..
توقعت المعاملة بالمثل وذا أقل.. أقل أقل شيء توقعته..
أنا لا أطلب أجراً أو ثواباً ولا أي شيء.. فقط تفاعل..
أنتِ نثرتِ رذاذكِ وتفعالتِ مع فضفضتي دون أن أطلب، ودون أن أتوقع ذلك..
الصدق يحب الصدق يأتيه دون عتب..!!
ابتسمت البُحيرة.. وأخذت تفضفض له مثلما كان يُفضفض لها.. أعادت كلماته على مسمعه بذات الطريقة.. وكان العتب يستمع دون أن يتفاعل..
سألته:
لماذا لم تتفاعل معي مثلما تفاعلت معك..؟ علماً بأني كنت أُعيد على مسمعك ما قلته لي..؟
سرح العتب وغاب في صمت.. رشحت البُحيرة العتب برذاذها عله يعود من سرحانه.. فما كان منه إلا أن قال:
أنا ليس لدي رذاذ حتى أرشحك به وأُلاطفك.. وليس لدي ماء ينحسر حتى أتفاعل معك بطريقتك.. أنا لا أعرف التفاعل.. هذه أول مرة أصغي لمن يفضفض لي.. من عادتي أن أتكلم والكل يسمع.. لكن هذي أول مرة أسمع صوتي..!
ابتسمت البُحيرة وقالت:
أجبت عن نفسك.. أنت شيء وأنا شيء.. ولكل منا طريقته وأسلوبه..
البعض عندما يسمع عتبك يتفاعل معك وينتبه لما بدر منه من تقصير..
والبعض بالأساس لا يتفاعل.. ولا يعني له الأمر شيئًا.. ولا ينظر لموضوع عتبك على أنه شيء يُذكر.. بل ويستهجن عتبك عليه..!
والبعض يعتب فيعتب عليك عتبك عليه..! فلا ترى منه إلا ردة فعل لـ"رفع العتب" يا عتب!
اللطيف يا عتب أنك عندما سمعت صوتك.. ولم تكن عندك طريقة لتتفاعل.. فـ"أصغيت".. إصغاؤك أضفى عليكَ وعلى من تُصغي له شعور بالتفاعل وإن كان ليس ما هو متوقع..
جميلٌ أنت يا عتب.. وجمالك يتجلى عندما تعي ما يحيط بك.. وعيك يُخفف من حدة تفاجئك بردات الفعل المختلفة على عتبك.
ابتسم العتب.. وأخذ من مياه البُحيرة ثم نثره عليها كـ رذاذ..!
وللرذاذ وقعه على الروح..!



