أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

كسرة خبز

جعفر العلي · القطيف اليومالأحد 28 أبريل 2019، 5:23 ص
كسرة خبز

"أيها الطماعون، أشباه القطط الجشعة، هناك خبز كثير في هذا العالم، يكفي لأن يأكله الجميع كل يوم؛ فلماذا الانقسام، والطبقية، والعنصرية؟".

أشرقت عيناه العسليتان، ذلك الطفل البريء، وأشعة الشمس المتوهجة تصفع وجهه بحرارة، وهو مستلقي في حجر والدته الفقيرة، التي اعتادت أن تقف عند صانع الخبز؛ ليتصدق عليها برغيف واحد.

استيقظ الطفل، وصوت الجرذان ينهش كسرة الخبز اليابسة التي يتركها لها، كعادته في كل ليلة، ولأنه كان ينتظرها، ابتسم عند رؤيتها، ثم عاد لظلمته، وغفى.

وقفت بعض النسوة الفقيرات، يتهامسن:

- مرت أربع ساعات، ولم نحصل على رغيف واحد، وأطفالنا يتضورون جوعًا.

- أششششش أصمتن، لئلا يسمعكن صانع الخبز، ويطردنَا جميعًا، فنخسر حتى هذا الرغيف.

استيقظ الطفل مجدداً على همسهن، فرأى أن الجرذان لم تبقِ من الكسرة شيئاً!

حاول الطفل التملّص من ذراع أمه؛ ليقف، وقد ارتسمت ابتسامة أخرى بريئة على شفتيه البيضاوتين، اليابستين، كان يعتقد، أنه بعد تقديم هذه الوجبة للجرذان، وحرمان نفسه من نصف حصته، سيستطيع أن يلعب معها عرفانًا منها لكرمه حسب براءته.

مشى بخطواته المنهكة؛ حيثما كانت الجرذان، لكنه لم يجدها، فقد انقضّت على كسرة الخبز، وهربت، فاستاء من تصرفها!

بحث هنا وهناك، شمالاً وجنوبًا، فلم يجد لها أثراً، فعاد يجر خيباته المعتادة، فلا يوجد أطفال بعمره؛ ليلعب معهم.

نظر لأمه مستغرباً، وأعاد على مسامعها نفس الأسئلة البريئة.

- ألا تكفيها كسرة الخبز يا أمي؟ فـ لِمَ إذاً رحلت لتبحث عن وجبة أخرى؟ فهي تكفينا طوال اليوم.

ِلمَ رحلت وأنا أطعمها كل يوم من أجل أن تلعب معي؟!
هَل سَتموت من الجوع؟

ثم عاد أدراجه مثل كل مرة، لـ كتفي أمه، فتوسدهما باكياً، ثم غفى.

ضمته أمه لصدرها، وهي تستشعر معاناته، وبقيت حزينة، تنظر إلى براءة رغباته، فقد عاش وحيدًا محرومًا من الصحبة لشدة فقره، لا يدرك معنى الرفقة إلا مع الحيوانات.

وا أسفاه، فـ هناك جوع كثير في هذا العالم؛ ليس فقط للأكل، والملبس، ولكن للرأفة، والعطف، والمحبة، وهدم جدار الطبقية، والعنصرية.