قبل مدّ سفرته.. لا تقل لي ممنوع!!

قالت لي إحداهن منذ أيام: ما رأيكِ بالانضمام معنا بمجموعة يقودها أحد المختصين لمتابعة النظام الغذائي وسيرسلون لكِ قائمة بالممنوعات التي عليكِ أن لا تأكلينها.
اعتذرت لها بأني لست بذات عزم مع مجموعات الواتساب، بالإضافة إلى أن التركيز على الممنوعات يوجب الرغبة فيها أكثر.
وأظن أن ذلك حقيقة يجب الالتفات لها، فمنذ أشهر وجدت في حسابات بعض الصديقات لافتة تحدٍ بها عدد من الأمور التي على الفرد المتحدي أن لا يقربها مثل القهوة والشيبس والبطاطس المقلية والشيكولاتة والمشروبات الغازية وغيرها، والتي لم يلبثوا بضع أيام وربما يومان فقط وخارت قواهم وتناولوا أحد هذه الأمور بدون نية في الاستمرار على التحدي، خاصة لمدمني القهوة.
فكرة التحدي بحد ذاتها جميلة وتحفز الشخص في تحدي ذاته ليصرع فيها شهواته ورغباته بشيء اعتاد عمله وهو يعلم بمدى ضرره على صحته، ولكن عرض الممنوعات بنظري خاطئ، فبدل أن نقول تحدي الامتناع عن شرب القهوة مثلًا، نقوم بعمل التحدي في شرب الماء أو عمل الرياضة أو أي شيء يراد عمله والتعود عليه بدون جملة ممنوع أو محضور.
فلا أعلم كيف تعمل كلمة ممنوع في تحريك الرغبة في معاندتها وكسرها وتنفيذ ذاك الممنوع، وكأنها قانون وراثة ورثه بني آدم من أبيهم (عليه السلام) حيث يكون شيطان الإغواء حاضرًا عند كل ممنوع لكسره من خلالهم {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}، آية 20 سورة الأعراف.
أحد الأيام أحادث إحدى صديقاتي التي قالت لي معلومة كانت جديدة عليَّ وكنت غير مصدقة لكونها صحيحة، وهي أن تناول الطماطم يثبّت الوزن فيلزم تجنبه لمن يريد إنقاص وزنه، وحتى مع كوني غير مصدقة لهذه المعلومة، لكن كلمة ممنوع جعلتني أتوجه رأسًا للثلاجة وأتناول الطماطم برغبة كبيرة.
فالمقصد أن كلمة ممنوع تجعل الشيء مرغوب أكثر، لهذا قيل كل ممنوع مرغوب، وهي تجري على كل شيء وليست مقتصرة على مستوى الأكل والشرب فقط، فلنقل لأحد الأطفال لا تعمل هذا الشيء فهو ممنوع بدون توضيح ممتاز، سنراه لا إراديًا يعمله ويكسر كلمة ممنوع.
نحن حين ننهى عقولنا عن عمل شيء فنحن نريد إعادة برمجتها من جديد على شيء أصبح عادة سيئة ربما ونريد تغييرها، فشيء طبيعي أن نلقى الرفض لهذه البرمجة الجديدة التي تكون بمثابة العضو الجديد الذي يريد النمو في كائن غريب عنه.
هي تحتاج أن تدرج أولًا، وتحتاج تغيير وفرمته شاملة أيضًا لاستقبال الجديد الحسن فيها، فالعقل الباطن يُقدم على عمل الشيء الممنوع لأنه ينظر للعمق، حيث إنه باطن فإذا لم يلقَ معلومات وبيانات كافية تؤهله لعدم استقبال هذا الممنوع فهو يهم بعمله ليجرب ويرى النتائج بعينه، ويكون هذا متاحًا أكثر في حالة الاعتياد على روتين معين وثابت لا يبذل فيه العقل الباطن مجهودًا في متابعته، فيصب جهده على هذا التغيير الجديد بالرفض.
لهذا كان الأفضل هو التغيير الشامل ليستقبل العديد من التغييرات ولا يستطيع العقل الباطن رفضها جميعًا لأنه في حالة انشغال بالعديد من التغييرات الحاصلة على هذا الكائن سواء كانت صحية وغذائية، أو دينية وروحية، أو ثقافية واجتماعية أو غيرها، وبهذا يكون المجال مفتوحًا لإعادة التهيئة وبناء عادات وسلوك صحي.
ونحن على عتبة دخول الشهر الفضيل وأنفاس قليلة من مدّ سفرة الضيافة الإلهية، نحن ندخل فيها بنعمة عظيمة كونها تُعد أفضل ساحة للتغيير الجذري هيأها الله لنا لتكون محطة تغيير من كل الجوانب، فلا نركز على الممنوعات لكي لا يميل العقل لعملها حتى لو كان يفترض معرفتها أولا للتورع عن عملها، ولنا في خطبة رسول الله (ص) في استقبال شهر رمضان خير شاهد، حيث ركز على ما ينبغي عمله في شهر رمضان لا على الممنوع فيه.
أمير الكلام عليه السلام يقول لنا: "غالبوا أنفسكم على ترك العادات تغلبوها، وجاهدوا أهواءكم تملكوها"، غرر الحكم.
فهناك الكثير استطاعوا بشهر رمضان التغلب على جملة من العادات والأمراض الروحية التي كانوا في غيره مدمنين عليها، وهذا المطلوب منا في هذا الشهر العظيم أن نستغل فرصته التي لا تتعدى أيامه ثلاثين يومًا كفيلة بعمل المعجزات وقلب كل التوقعات، لنتزود منه ونستمر عليها لمدى الشهور القادمة، فقط نحتاج أن نتحدى أنفسنا ونعاهدها على النصر وننوي بناء عادات متنورة بنور هذا الفيض النازل علينا بشهر الله، لأن ثقتنا أن الله مُعيننا على إحراز النصر، ونخرج منه إنسان جديد يلبس بعد ثلاثين أيامه ثوب العيد وهو ينتشي بنشوة الانتصار ذات المذاق اللذيذ التي لا يوازي طعم مأكولات الدنيا لذتها.



