أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

هل نعيش اليوم إرهاصات مد جليدي جديد؟

عادل البشراوي · القطيف اليومالسبت 25 مايو 2019، 8:00 ص
هل نعيش اليوم إرهاصات مد جليدي جديد؟

غادرنا آخر مد جليدي قبل حوالي خمسة عشر ألف سنة بعد أن لبث زهاء 70 ألف سنة وحيث يتم تقدير بدايته قبل قرابة الـ85 ألف سنة. والعلماء المختصون بدراسة الظاهرة يقولون بأنها تحدث بنمطية متكررة منذ بداية البلايستوسين قبل 2.6 مليون سنة.

الملفت هو أن علماء المناخ يذكرون ظاهرة مشابهة للزحف الجليدي، وإن كانت بقساوة أقل، بدأت في الظهور منذ القرن الرابع عشر الميلادي وأنها انتهت بداية القرن التاسع عشر، حيث أطلقوا عليها مسمى الزحف الجليدي الصغير Little Ice Age.

لهذه الظاهرة متعلقات بالغة الأهمية بتاريخ أوروبا الذي وقع عليها تأثيرها الأكبر، وقد كانت لهذه التأثيرات انعكاسات مباشرة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية وأيضًا الثقافية.

لاحظ بعض المتتبعين لتاريخ أوروبا الحديث ارتباطات بظاهرة الزحف الجليدي الصغير. وقد حررت فرضيات أكاديمية في هذا المجال، بعضها ربط بينها وبين أنماط حياتية كتفضيل أغلب سكان الولايات المتحدة شرب شراب الشعير في حين استمر الفرنسيون وسكان جنوبي أوروبا اللاتينيين باحتساء النبيذ.

هؤلاء يقولون بأن سكان الولايات المتحدة اليوم ورثوا عادة شرب شراب الشعير عن مستعمري الولايات الأمريكية قبل التحرير نهاية القرن الثامن عشر، أي الإنجليز. وإن سبب عزوف هؤلاء عن شرب النبيذ هو الزحف الجليدي الصغير.

ففي قرون الزحف كان تأثيره الأكبر على دول الشمال الأوروبي حيث فتك بمزارع العنب وجعلها قاحلة ما أجبر مزارعي هذه المناطق على استبداله بالشعير، وبذلك كان هو الخيار المتاح للأهالي. وكان الإنجليز ضمن الشعوب المتأثرة، وقد تصادف أنهم هم من استعمر أغلب أراضي أمريكا الشمالية حيث حملوا معهم عاداتهم التي بينها احتساء شراب الشعير.

أيًا كانت حقيقة تفاصيل التأثيرات الثقافية والاجتماعية فتواتر أخبار ظاهرة انخفاض درجات الحرارة عبر المرويّات الأدبية والوقائع التاريخية ثابتة. وقد استغلت اليوم تقنيات محاكيات المناخ ليس فقط لتعزيز ثبوتها، بل لرسم تفاصيل منحنى متغير الانخفاض والصعود في درجة الحرارة ضمن تلك الفترة.

شغلت ظاهرة الزحف الجليدي الصغير مخيلة العلماء فانبروا لدراستها في البدء على أنها ظاهرة شذوذ لا تبرير له عن النمط المناخي العام، والحال أن المتغيرات المناخية هي الطبيعة المميزة لجو الأرض. وعلى الأقل هذا ما جرى الخلوص إليه أخيرًا.

لكي نؤسس لأرضية تضفي على الدراسات التي يعتمدها العلماء للتعرف على متغير مناخي ما حدث في زمن معين المصداقية التي تستحق، يجب أن نحدد أحد أهم القرائن التي تتم دراستها، وهي ما تعرف بـMIS أو Marine Isotope Stage أي فترة النظير المائي، وهي تشير إلى نظير الأكسجين 18.

حيث يوجد هذا النظير على سطح الأرض بنسبة قليلة جدًا ولكنه أعلى نسبة من أكسجين 17، ولكن الوجود الطاغي هو لأكسجين 16 حيث يكون نسبة 99.8% من مجمل أكسجين الأرض.

وقد تنبّه العلماء إلى حقيقة مفادها أن الوزن الذري الأقل لذرة أكسجين 16 تجعل من ذراته المرتبطة بذرات الهايدروجين والمكونة للماء أكثر عرضة للتبخر من قريناتها ذرات أكسجين 18 التي ترتبط هي الأخرى بذرتي هايدروجين لتكون ماءها الخاص والموجود أيضًا في البحار وفي تركيب الأحياء وكتل الثلج المخزنة فوق الجبال والمناطق القطبية والهواء وإن كان بكميات قليلة جدًا كما أسلفنا.

أما كيفية استغلال هذه الظاهرة للاستدلال على أزمنة الفترات المناخية الباردة فالأمر يتحقق عبر عدد من التقنيات، ولكن أشهرها هو في حساب تركيزه في كربونات الكالسيوم Calcium Carbonate (CaCO3) الداخل في تركيبة القشور للصدفيات البحرية.

فهذه الصدفيات تحتاج الأكسجين لتشكيل أصدافها، وهي تأخذه من محيطها المائي في البحار، وبالتالي فنسبة أكسجين 18 إلى أكسجين 16 (delta-O-18) في تلك الفترة التي تم فيها صنع الصدفة سوف يعطينا مؤشرًا للطبيعة المناخية لتلك الفترة. أما تحديد عمر الأصداف فيتم عبر التقنية المعروفة بنظير الكربون المشع 14.

وقد تمكن James C. Zachos عام 1994 من رسم المتغير المناخي القديم ابتداء من السبعين مليون سنة السابقة، حيث بنى دراساته على نوع من الصدفيات يسمى Foraminifera.

والظاهرة تتم بأنه في الفترات الباردة ونتيجة لتبخر مياه المحيطات فإن كميات أكبر من المياه المتبخرة لا تعود للبحار حيث تحبس في الكتل الثلجية التي تتعاظم أحجامها في الفترات المناخية الباردة، وبما أن الأكسجين الأكثر عرضة للتبخر هو أكسجين 16، فإن نسبته في البحار سوف تقل في مقابل أكسجين 18. أما في الفترات الباردة فإن هذه النسبة سوف تختلف.

وقد استفاد العلماء من هذه التقنية وغيرها في رسم خرائط مناخية زمنية بالغة الدقة للتعرف على تفاصيل الانقلابات المناخية فتوضحت لهم منحنيات صعود وهبوط في درجات الحرارة تتم ضمن نمطية مناخية واحدة ومشابهة للفترة التي طرأت على الأرض خلال القرون من الثالث عشر وحتى الثامن عشر الميلاديين، بل وأحيانا تكون شبه فجائية ولها تأثيرات كارثية على الأحياء كذاك المتغير الذي طرأ قبل حوالي 12 ألف سنة وسمي Younger Drias وهو الذي حدث بعد انحسار المد الجليدي الأخير بثلاثة آلاف سنة فأعاد للأرض أجواء المد الجليدي ولكنه استمر لألف سنة بعدها عاودت درجات حرارة الأرض للارتفاع.

وكذلك فقد توضحت منحنيات لمتغيرات درجات الحرارة خلال فترة المد الجليدي لتشير إلى أن استعاره الأقسى بدأ قبل حوالي 35 ألف سنة وشهد قمته بين الفترة ما بين 22 وحتى 18 ألف سنة السابقة. خلال هذه الفترة القارسة البرودة واجهت مناطق الشمال الآسيوي والأوروبي شبه إفراغ من طبيعتها الحية، وانخفض منسوب مياه المحيطات إلى قرابة الماءة وعشرين مترًا عن مستوياته اليوم.

إذا فالأصل في المناخ هو التغير وليس العكس، وأن إمكانية دخولنا فترات باردة في أي وقت هو شيء وارد، ولكنه ليس بالضرورة يعني ابتداء مرحلة مد جليدي جديد، فقد تكون مرحلة عابرة، وقد تطول لعقود أو قرون كفترة المد الجليدي الصغير، على أن ذلك لا يمنع أن يكون المتغير مؤسسًا لمد جليدي حقيقي جديد.