أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

البغضة حالقة الدين

الشيخ جاسم آل حمود · القطيف اليومالسبت 1 يونيو 2019، 6:14 م
البغضة حالقة الدين

تطرّقَ علي (ع) في وصيته لأولاده إلى خصلةٍ حذّر منها النبي (ص) ألا وهي: المقت والكراهية لعباد الله.

وهذه الخصلة التي من شأنها أن تحلق، أي: تهلك وتستأصل الدين والالتزام عندنا، كما يستأصل الموسى للشعر، وكذلك لا تُبقي شيئًا من الحسنات حتى تذهب بها كما يذهب الحلق بشعر الرأس..

قال الله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}…

ومن هنا قال علي (ع) في وصيته: "سمعت رسول الله يقول... وإن البغضة حالقة الدين ولا قوة إلا بالله...".

وهذه الصفة السيئة لها آثار خطيرة جدًا على الفرد والمجتمع وخطرها يكمن في:

1- الوقوع في الافتراء والبهتان على النَّاس، والتَّحامل عليهم عند الخصومة.

2- يتولَّد عن ذلك الحقد الشَّديد للمَبْغُوض.

3- يؤدي إلى انتشار بعض الأمراض الاجتماعيَّة الخطيرة، التي تفتك بالمجتمع وتهدِّد لُحْمَته وتماسكه، كانتشار الإشاعات المغرضة، والتَّحاسد والتَّنافس غير المحمود.

4- سببٌ في فقدان الأمن والأمان في المجتمع؛ فإذا سادت الكَرَاهِية والبَغْضَاء، أحسَّ الفرد أنه يعيش في غابة بين وحوش يتربَّصون به، ويتحيَّنون الفرص لأذيَّته، فيعيش في قلقٍ دائمٍ لا ينتهي.

5- يتسبب في فقدان الحبِّ في المجتمع الواحد، بل في العائلة الواحدة.

6- تضيع الثِّقة بين أفراد المجتمع، فلا تكاد تجد أحدًا يثق في أحدٍ.

7- انتفاء العدل في المجتمع المتَبَاغِض، ولهذا قيل للعادل: هو الذي إذا غضب لم يُدْخِله غضبه في باطل، وإذا رضي لم يُخْرِجه رضاه عن الحقِّ.

8- البُغْض يؤدي إلى سوء الخُلُق.

وبالتالي تستنزف القيمة الجوهرية للدين؛ لأن هذا السلوك يتعارض مع الرحمة والسكينة والمحبة، كما تؤصد الكراهية أبواب الحوار والدعوة إلى الخير.

فالإنسان كلما ازدادت محبته لغيره، ازداد حرصًا على نصيحته، وبذَل جهده في سبيل إصلاحه، وأسوأ أنواع الكراهية هي“الكراهية العقائدية”؛ لأنها تجعل الإنسان يكره بحسب أسماء الأشخاص وهُويَّاتهم الدينية والعَقَدِيَّة، قبل أن ينظر إلى سلوكهم وأعمالهم، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين (ع) في كيفية التعامل القلبي مع من نختلف معهم، حيث ورد عنه: "وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، والْمَحَبَّةَ لَهُمْ، واللُّطْفَ بِهِمْ. ولا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً، تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أو نَظِيرٌ لَكَ فِي الخلق"، لقد بيّن (ع) أنه من الضروري ألا يحمل القلب القسوة والحقد والكراهية تجاه من نختلف معهم في الدين أو المذهب أو الرأي أو المعتقد؛ لأنهم صنفان: إما أخ لك في الدين يشترك معك وتحبه وتعطف عليه وتلطف به أو أن يكون نظيرًا لك في الخلق يتشابه معك في أنه إنسان له مشاعر ويجب أن يقدر ويحترم وأن يكون التعامل معه بمقتضى هذه المشاعر.

ولا شك أن انتصار الكراهية على المحبة هو انتصار للشر والقبح على الخير والجمال، وقد اشتملت أعظم الوصايا الدينية على ضرورة تحقيق هذا الانتصار، كما جاء في القرآن العظيم قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.

فعندما ينزع الإنسان من قلبه الغِلّ والبغضاء، فإنه يستشعر السعادة العظمى التي وعد الله بها أهل الجنة بقوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}...

فيحتاج الإنسان إلى إرادة قوية للسيطرة على انفعالاته وعواطفه؛ لنكفُّ أنفسنا عن الانسياق وراء الكراهية والغضب وغيرهما من الانفعالات التي تُفقد الإنسان رشده وإنسانيته.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم قلوبًا سليمة، وأعمالاً صالحة، وأن يغفر لنا ذنوبنا، ويستر عيوبنا ويداوي قلوبنا...