على عتبات عمل والدي.. بعد نصف قرن ونيف

لأني تربيت في مدينة الظهران فكنت في مدرسة حكومية في الحي القديم الذي أزيل لاحقًا ولم يبق منه إلا المسجد القريب من جامعة البترول، ثم انتقلنا لحي حديث مكيف وبه السينما والبرك والأسواق الحديثة والخدمات الأخرى الراقية.
وكان الوالد يعمل في شركة "أرامكو" بمدينة الظهران، وقبل ٦٠ سنة نقل عمله إلى مدرسة أولاد كبار موظفي الشركة في الحي المخصص للأجانب ومعظمهم من الأمريكان، مع جميع قوانينه وإداراته المتطورة ومنشآته وحتى النساء تسوق السيارات داخله، وتليفزيون الظهران القناة الوحيدة في المملكة.
ويبدأ عمل الوالد الساعة الواحدة مساءً فأحيانًا يصطحبني إلى عمله، وكانت مدرسة الأجانب قمة في التطور من جميع النواحي التكنولوجية والتربوية والرقي التعليمي، وأستطيع أن أتكلم عن كل فصل بصفحات، وعندي صورة مع الموظفين أمام المدرسة بالألوان سنة ١٣٨٥هـ، وكنت في المساء ألعب مع الأولاد الأمريكان من الجنسين وأنا بثوبي طبعًا، وحفظت مجموعة كلمات إنجليزية، وأحيانًا نتواصل بالإشارة، والأهم ما رأيته من ألعاب وأماكن للفنون والموسيقى والأفلام العلمية ما يذهل العقل، وفي السكن يوجد التكييف والماء المبرد ما يسمى "آيس بوكس" ونذهب للسينما أحيانًا التي تولعت بها إلى الآن، وإذا رجعنا البلد التي لم تصلها الكهرباء والماء في المنازل أشعر أني أنتقل بالتاريخ لقرن ماضٍ من الزمن.
وقبل مدة، أي بعد أكثر من نصف قرن، استطعنا عن طريق أحد أصحابنا الذي يسكن في حي الموظفين "السِّنْيَر" طلبت منه أن أزور هذه المدرسة وبالفعل وصلنا إليها، وإذا كثير من الأماكن والمباني تغيرت، ولكن الصديق الأجنبي يعمل في الحي منذ ٣٨ سنة فذكرني بوجود صخرة كتب عليها تأسيس المدرسة، فقلت له هي أمام الادارة وقربها الملعب المغطى الذي ألتقي مع أصحابي فيه ولي ذكريات كثيرة، وبعد أن أخذنا الصور عند الصخرة تمكنا من العبور للملعب، ويا للهول عندما دخلته شممت الرائحة المميزة للملعب وفيه المسرح، تمالكت نفسي من الانفعال وصعدت المسرح وأخبرتهم كيف نتسلق إلى أعلى مع أصحابي الذي لم يتغير، وبدأت أتجول في الملعب وكلي اندهاش أتمنى أن أمكث ساعات، وصرت ألتقط الصور حتى أخَذَنا الوقت ولم نستطع زيارة المتحف.
وبعد انتهاء الزيارة، مضت أيام في كتابة هذا الخبر والذكريات تطوف بي وأنا أنتقل من غرفة الموسيقى إلى الفنون والجغرافيا، وكل مادة لها غرفة بها جميع النماذج المستخدمة في المناهج وكل فصل به شاشة لعرض الأفلام، فضلًا عن سعة الفصول وتغيير دهانها كل سنة حسب الطلب، وأكثر ما يبهرني وأنا طفل الألعاب المتنوعة في فصول الروضة التي أمكث ساعات ألعب بالتراكيب والأدوات المتميزة لا أشعر بالوقت ومعظمها ألعاب ذهنية وتراكيب تجعلك تفكر وتبتكر، وكذلك استطعت قراءة كتيبات وقصص للأطفال موجودة في بعض الفصول تأتي من مكتبات بيروت.
وبصفتي قضيت ٣٨ سنة في التعليم لم أر في مستوى تلك المدرسة ولا في المدارس الأهلية، ومن منطلق هذه التجارب حصلت على تميز في الذكريات والاستنتاج والتخيل المعرفي في الفنون التشكيلية، حيث رأيت أنواعًا من الفنون كالطبيعة الصامتة والبورتريه، فضلًا عن المناظر، وأهم ما لفت نظري الأعمال السريالية التي أغرمت بها، ومن اللوحات التي ضحكت عندما رأيتها وجوه بأنفين أو بعين واحدة وهكذا، وكانت معمولة بعضها بالأقلام والآخر بالفرش والألوان المختلفة.



