أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الأمر الواقع

سلمان العنكي · القطيف اليومالجمعة 21 يونيو 2019، 3:14 م
الأمر الواقع

نسمع بـ "الأمر الواقع" أو فُرض على فلان أمر واقع، فما هو الأمر الواقع؟ وما حقيقته؟ وما هي مجالات الخضوع له؟ وهل هي مطلقة؟ أم يجب رفضها في حالات؟ والتخلص منها في أخرى؟

الأمر الواقع يعني أن أمراً ما مطبق ومفروض ومعمول به على أرض الواقع ولكن ليس بالضرورة يكون مقنناً، وهو المعني هنا، وقد يسود على القانون وليس العكس، ويصل عند البعض أن معارضته حتى بالتشريع خروج وانقلاب عليه، وغير ممكن قبوله.

وهناك أمور واقعة ملتزم بها المجتمع وإن برزت حقائق تصحيحية لها، هي مرفوضة ويجب التمسك بالواقع ومحاربة من يخالفه وإن بانت الأخطاء والسلبيات فيه لأنه يستمد شرعيته من المجتمع، إلا أن المتمسكين مقيدون عن تغييره لكنهم مصرون على البقاء التقليدي عليه والاعتقاد به، وحالات كهذه لا تكون مقبولة عند العقلاء وأصحاب الرأي، بل تُعتبر مواقف همجية واستسلامية لأفكار هدامة رجعية، وإن كان فارضها من أصحاب العلم والمكانة الاجتماعية والمعرفة.

أما إذا غير ممكن الخروج عليها حقيقة، وقد يحصل ذلك أحياناً، فذاك له شأن ومخرجات أخرى، ومع ذلك هي مقيدة ويجب الوقوف بوجهها، ولا أقل من الإنكار عليها وفتح ثغراتها حتى تُبدد إذا وصلت إلى تعطيل مصالح المجتمع أو الإضرار به، تركها تستمر واقعًا مريرًا ظلمًا.

هناك مَن استغل ثقة المجتمع وبساطته؟ فاتبعوه فيما يقول ويأمر، فهم وهو كالسامري، اتبعوا عجله واقعاً وتركوا هارون وأمره ونهيه تشريعاً، وفي بعض المجتمعات من يشابههم ويحذو حذوهم، من هنا نقول ليس كل واقع يجب إبقاؤه أو اتباعه، متى اتضحت أخطاؤه ومخالفته للقوانين أو للمعتقدات ومنطق الشرع وجب علينا تغييره، ولا نقول هذا واقعنا المحتوم، أو نقول كما قال من سبقنا {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} من آية ٢٣ الزخرف.

علينا أن نتخذ موقفاً من هذا الواقع ونقيمه هل ضار أو غير ضار؟ أو تجب إزالته؟ وإذا غير ممكن، لا أقل من ترك التعامل معه، إلى أن يتحول إلى جزئيات يقل أنصاره ولا يمثل قوة تبقيه وتحافظ عليه.

نحن في عصر نهضة حقيقية واضحة المعالم، وشرع وقانون وسلطة تحمي الحقوق، وبعض ما يسمى أمر واقع يضيّعها ويخيف من يطالب بها وهذا غير صحيح، كم من واقع باستطاعتنا تغييره؟ مثلاً بعض الورثة يتسلط على التركة ويبرز نفسه كقوة أمر واقع والبقية تسلم به، ظناً منهم عدم القدرة على تغييره، هذا غير صحيح، من يرى له حقاً لا يخاف متسلطاً ولا يستسلم للواقع الوهمي المفروض، بل عليه اختراقه فجميع الحقوق مُصانة، وما يفرضه هذا لا مكانة له.

الزوجة عليها أن تطالب بحقوقها ولا تخشى زوجاً فرض أمراً واقعاً عليها واستغلها لضعفها أو لوجود أبناء لها منه يهدد بأخذهم، أو يهددها بفضائح لم ترتكبها، ويتسلط على أموالها الخاصة، أو لبساطتها وعدم وجود من يقف إلى جانبها، وبواقعه يخضعها له ويضيّع حقوقها، عليها أن لا تخاف ففي التشريع حماية لها ولحقوقها، عليها أن تتفهم وتترك الخوف جانباً، إلى أن تستوفي حقها غير منقوص، ولن ينفع المتسلط واقعه.

أما إن بقيت مستسلمة واعتقدت أنه من المستحيل التغيير، أو أن الخروج عليه جريمة، تكون هي من ضيعت فلا تلومن إلا نفسها، من هنا نخلص بأن التسليم بكل واقع والاعتقاد باستحالة تغييره غير صحيح في الغالب، مع الوعي والإصرار نستطيع التخلص من الكثير منها، مهما كانت هوية ومكانة المتسلط، كم مِن واقع أحاط بقيوده على الرقاب لعقود؟ ولما شد المجتمع العزم في ساعات كسرها واقبره، وتحرر.