أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

وإلى غدٍ بلا مخاوف

منصور الصلبوخ · القطيف اليومالسبت 13 يوليو 2019، 2:29 م
وإلى غدٍ بلا مخاوف

العالم اليوم أتون يستعر بالأسرار الشاذة، وتحيط به الأخطار المحدقة، ويدعمه الكثير من معدومي الضمير، وتسيّره الأطماع، ويتحكم في مصيره قوة مهيمنة على مقدرات الشعوب، في عصر لم يعد فيه مكان إلا لما هو ضار، وما هو مخيف.

هذا ملخص ما يبديه البعض عن الصورة القاتمة والخطر القادم الذي يواجه العالم.

تطالعنا أخبار وأقاويل مدوية عبر قنوات التواصل والإعلام المستقل..

الصيحة التحذيرية والمتشائمة الذي أطلقها "أليكس جونز" الصحفي والمذيع الأمريكي من خلال المنصة الإعلامية المستقلة، ليبث تقريره المثير للجدل، استناداً إلى نظرية المؤامرة التي تبناها.
وبعيداً عن المهنية والاختصاص استفاد "أليكس جونز" من كونه مذيعًا إعلاميًا بارعًا، يملك قدرات تحليلية عالية، أن يقنع متابعيه عبر قنوات التواصل بصواب آرائه.

فقد قام بنشر مقطع فيديو عرض من خلاله مجموعة من الأغذية المصنعة أمام منصة التقديم كدليل على حقيقة ما يتحدث عنه.
المقطع الذي نشره عبر "يوتيوب" يحمل عنوان "الطعام السر الخفي" كشف فيه الأسرار والمؤامرات التي تُحاك للبشر مند سنوات طويلة وأسباب انتشار الأمراض بشكل واسع وكيف تواطأت الهيئات والمنظمات الصحية مع هذه المؤمرات لقتل الناس ونهب أموالهم.

لا أدري لم أميل دائماً إلى تصديق ما ينقل إليَّ من أخبار ومشاهدات عبر قنوات التواصل وغيرها، وقد تعودت ألا أقبلها إلا بعد تفحص وتدقيق ما يلابسها من قرائن.. فلا ننساق وراء كل الأطروحات دون بحث ونقاش ودراسة منهجية، وأن نتثبت بأكبر قدر ممكن من الدقة والموضوعية؛ لعل في ذلك ما ينتهي إلى الحقيقة.

نشر هذا التقرير في هذا الوقت يثير جدلاً ورعباً بين الناس - وحرصاً منا على عدم تعقيد ما طرح وحفاظاً على المصداقية - المتحدث هنا استعرض منتجات غذائية رأى فيها الغش والأسرار المخبأة فيها والتي قرر كشفها - أطلق عليها "نظرية المؤامرة" هذا هو الشيء الجديد، فكشف الوجه الآخر القبيح لتجار وصناع الأغذية عن وثائق قبل (80 سنة) تحدثت عن صراع خطير وحساس طالت كل ما يدخل أجسامنا من أغذية متخمة بالكيميائيات والمواد المضافة...

والنتيجة أن صحة الإنسان أصبحت حقلًا للتجارب والأرباح المادية...!

من هنا فإن التعاطي بمحتوى ذلك التقرير لابد أن يحمل أكبر كم من الدقة العلمية والمصداقية كل تلك الصرخة لا تنفع - والأفضل مناقشة هذا وذاك - الأجدى نفعاً.

هناك مئات الآلاف من الأغذية المصنعة المتداولة لا نستطيع أن نغض الطرف عما يجري عليها من إضافات اصطناعية وتعديلات وراثية وملوثات ضارة، أثرت على مكوناتها الطبيعية ومن ثم قللت من قيمتها الغذائية.

لقد كان أمراً طبيعياً أن نعرف آثار وتكلفة الأغذية المصنعة ولكن ليس بلغة التهويل والتخويف والمبالغة وإنما باعتماد لغة الدراسات والأبحاث والتجارب الواقعية التي لا تعرف إلا وجهاً واحداً للحقيقة..

ولعل السؤال الأهم هو كيف تشكل تلك الأغذية خطراً على الصحة العامة؟

إذا كان لي ما أعلق به فإني أرى أن نقف عند بعض المحطات المثيرة في التقرير:

• الأسبرتايم:

يضاف كمحلى اصطناعي لأغلب الحلويات والمشروبات الغازية بديل السكر العادي "السكروز" تحت ضوابط وتحذيرات صحية معينة لكونه يعتبر من الأغذية ذات الاستعمالات الخاصة، فهي مركبات فاقدة السعرات الحرارية وطعمها يفوق مئات المرات المحلى الطبيعي "200 ضعف السكروز" ولذلك يحقق الغرض من إضافته "طعم حلو دون طاقة".

يلجأ معظم صناعي الأغذية إلى إضافة تلك النوعية من المحليات لأنها تعطي حلاوة بأقل تركيز دون النظر لخطورتها خصوصاً في أغذية الأطفال لوجود آثار جانبية صحية، وأيضًا للأشخاص المصابين بمرض الفينيل كيتون يوريا "الوراثي" الذي يؤثر على أداء الدماغ ومشكلات في الجهاز العصبي، وتزداد المخاطر الصحية إذا تناول الشخص مقدارًا أعلى مما هو منصوص عليه في اللوائح الأغذية الدولية وهي 40 ملغم/ كغم يوميًا والبحث في أفضل الحلول وهو الابتعاد قدر الإمكان عن المحليات الاصطناعية - والاعتماد أكثر فأكثر على السكر الطبيعي الموجود في الفاكهة.

• المحاصيل المعدلة وراثياً

إدخال تعديلات وراثية في بعض المحاصيل الزراعية بفضل ما يسمى "الهندسة الوراثية" عن طريق استخدام تقنية إعادة تركيب وترتيب الجينات - دفع ببعض العلماء إلى دق ناقوس الخطر وأدخلت مشاكل صحية غير محسوبة على الإنسانية، ولجوء الشركات الزراعية للتصرف بشكل يهدد الصحة العامة بهدف اقتصادي رفضها السوق في صورة غير مشرقة وغير مقنعة للمستهلكين.

والبديل العودة إلى الغذاء الطبيعي والزراعة التقليدية لتكوين جيل جديد من المستهلكين الواعين ودفع الحكومات إلى التدخل أكثر فأكثر في مراقبة قوى السوق وضبطها ومنعها وبالتالي من التصرف بشكل يهدد الصحة العامة.

مما لا شك فيه إن الأغذية العضوية تحل جزءًا من المشكلة ولكن تحكمها معايير تحدد من تداولها بين عامة الناس، فهي غير متوفرة في الأسواق المحلية - ولا توجد أماكن مخصصة لها - كما أن أسعارها مرتفعة، وأيضًا توثيقها يتطلب إخضاعها للفحوصات في مختبرات الهيئة العامة للغذاء والدواء.
• دجاج الناجتس

تدخل المادة التي تحمل الرمز الدولي (E 900) باسم ثنائي ميثيل عديد السيلوكسان في صناعة زيوت القلي كعامل ضد الرغوة بكميات قليلة جداً (10 أجزاء في المليون)، تدخل في إعداد وتحضير الوجبات السريعة الدجاج المقرمش (McNuggets)
البطاطا المقلية، وتأثيرها كباقي الإضافات الغذائية، وتعرف أيضًا بالسليكون.

• هرمون النمو

يلجأ الكثير من مربي حيوانات المزرعة المنتجة للحوم والألبان -لحقن حيواناتهم بهرمون النمو المحظور دولياً من أجل زيادة إنتاجها من اللحوم والألبان.

تلك الملوثات تنتقل بقاياها إلى أجسادنا والتي لها آثار سلبية خطيرة على صحتنا - مسببة العقم وأمراضًا سرطانية وغيرها.

• جلوتومات الصوديوم(MSG)
تدخل المادة التي تحمل الرمز الدولي (E621 ) ضمن المواد المسموح إضافتها للأغذية بوظيفة معزز نكهة -تضاف إلى الوجبات الخفيفة كرقائق البطاطس ومنتفخات الذرة المعدة للأطفال، والشعيرية السريعة التحضير "أندومي"، ومكعبات مرق الدجاج واللحم "ماجي" فهي تعطي الطعام الطعم المستساغ والشعور بالطزاجة - وهناك جدل حيال إضافتها للأغذية لوجود بعض الدراسات تثبت علاقتها بتلف الدماغ والضغط والسمنة...

• نظرية المؤامرة التي تحدث عنها التقرير تناولت عدة جهات - أتهم العلماء بإخفاء الحقائق التي طالت أغذيتنا، وأتهم الشركات المنتجة والمصنعة للأغذية بأنها تشتري الإعلام والأقلام لتحقيق أرباحها التجارية، وأتهم الهيئات الحكومية بالموافقة على ذلك الإجراء.

كما أن التقرير بدأ بتشاءم عبر وثائق لا تبعث على الاطمئنان وركزت على نظرية المؤامرة باستخدام مفردات لا تتناسب في هذا الموقع مثل - ثقافة الموت، وعقم السكان، والسر الكبير، ومعسكرات الموت، والتخريب الجيني، وقتل ناعمة، والنظم السرية، والدواء القسري، ودكتاتورية علمية، وغيرها من مصطلحات الحروب والدمار - وبالتالي دفعت التقرير إلى مكان آخر لا نرغب الوصول له.

في حين انتهى التقرير بأمور إيجابية؛ استجابة المعنيين من صناع الأغذية لبعض مطالب الناس، وهذا اتجاه صحيح.

إن الكلام عن مقاطعة الأغذية المصنعة هو بداية المجاعة التي يتوقع حدوثها من قبل نخبة العالم الغربي، وهو شبه مستحيل، كون أغلب الأغذية المتوفرة في الأسواق تندرج ضمن الأغذية المصنعة أو المعالجة أو المعدلة وراثياً؛ سواء كانت أغذية محفوظة "معلبة أو معبأة" أو على هيئة محاصيل زراعية،
أو أغذية طازجة من لحوم وأسماك وفواكه وخضراوات ومنتجات زراعية "الحليب ومشتقاته - البيض" أغلبها أغذية معاملة سواء بالمواد الحافظة والإضافات الاصطناعية أو باستخدام الأدوية البيطرية لحمايتها من الآفات الزراعية وتحسين إنتاجها.

هنا نرى أن التقرير لم يصل إلى نتيجة إيجابية رغم التهويل والمبالغة وإدخال مصطلحات غير مناسبة.

والحل لتفادي مثل تلك الشرر هو تغيير وتصحيح نمط عاداتنا الغذائية وذلك باتباع نظام غذائي متنوع يحتوي على العناصر الغذائية الضرورية الموجودة في الأغذية النباتية كالفواكه والخضراوات والغنية بالألياف والحبوب الكاملة كالأرز والقمح والشوفان والشعير، والمحاصيل الزراعية كالذرة والبطاطس، والمنتجات الحيوانية كاللحوم والدواجن والأسماك المحلية وغير المصنعة أو المجهزة لضمان سلامتها شرعياً وصحياً.

والأهم هو الابتعاد قدر الإمكان عن الأغذية السكرية المصنعة والمخللات والمشروبات الغازية والطاقة، والعصائر المصنعة - شرب المياه بكثرة بديلاً عن تلك المشروبات خصوصاً أن بيئتنا الحارة والرطبة تتطلب ذلك.

ويعنينا اليوم من هذا كله، إزالة تلك الصورة المظلمة المليئة بالهلع والفزع.. وإلى غدٍ بلا مخاوف.

منصور الصلبوخ - أخصائي تغذية وملوثات