أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حكاية خلف الستارة المخملية

غالية المحروس · القطيف اليومالثلاثاء 23 يوليو 2019، 12:20 م
حكاية خلف الستارة المخملية

عندما ينام الصباح يمر الوجع بين جوانبي وخلف ضلوعي، في الوقت الذي جلست في مكتبتي منهكة القوى وكنت لا أرى غير السواد في دموع صديقتي في ضوء النهار، أنا هنا أسير على خط الصراحة والصدق والإحساس مهما كان محتواها، حيث يمد الفجر أصابعه المرتعشة كعادته وشفاهي تكاد تقول شيئا نسيت أن أبوح به، وكأنني أتلمس النهاية هاهنا وبالرغم من ألم ينتابني بأصدق تعبير وبمنتهى الصدق أكتب، وسأعترف أن الكتابة هم يرافقني كالظل، ولكن انتظروني لأحضر قهوتي وأخبركم بكل شيء.

أستميحكم يا أعزائي القراء في استحضار مقالي هذا الذي وضعت عليه جرح صديقتي وكشفت بعض التجاوزات الخفية غير الإنسانية فمن استمرأ مقامهم على مقام أعزائهم وما خفي كان أعظم، وما أنت أدرى به ولم أذكره يشيب له الرأس، حيث إن هناك الكثيرين يتخوفون من الحديث عن أي شيء يمس الخصوصيات ولكنني لا أملك هذا السقف بكل أسف، ربما لا يستطيع سوى القليلين امتهان هذا الأسلوب لما فيه من الحساسية والجرأة.

أعترف أنه الوجع المحرض الكبير على الكتابة حين أكتب عن لحظات البوح نحتاج الكثير من أسرار الحياة بكل تفاصيلها وأبعادها، سأحاول التوغل في تضاريس البوح وأسدل على المعاني لأصل حدود الدهشة وامتطي ركب الحرف الوهاج الذي يمنحني لذة الكتابة المباحة الشامخة المتقدة أيًا كان نوعها على شفير الليل والعتمة والحب، قد يخونني الكلام لكن الذي لا خيانة فيه أنني متوجعة هنا من أجل صديقتي، إنها لحظة واهية وإن كنت فيها أهدهد شجن الوجع لأضع أصابعي على مكامن الداء.

إن ما ستقرأونه في هذه المقالة هي قصة واقعية حقيقية لم تأت هذه الفكرة من رأي خاص أو توقع محتمل، بل هذه هي حياتنا وحياة البعض من الزوجات تشكين من التهميش، لم أكن أتوقع يوما أن أكتب عن حكاية صديقتي التي تعيش مع زوجها وأبنائها وأنا أعيش معها الوجع بصدقي، وبقيت فجأة في ذهني ما كنت أتمنى أن أنشرها أو أسرد حكايتها أو يقرأها أحد أو يسمع حكايتها البعض، قد تكون خلاصة إحساسي بوجع صديقتي من خلال دموعها، هذه القصة لن تختفي من بالي بسرعة بل ستبقى في ذاكرتي، التي عبرت لي تحت ظرف استثنائي ما كنت أحسه ولم أجرؤ على تصديقه، لأسقط في غيبوبة الذهول.

سأعتبر هذه المقالة تجربة مزدوجة لا تخص أدائي أرجوا أن تقرأها يا قارئي العزيز بعناية وأمضغ الكلام ببطء وإلا ستصاب بسوء هضم فكري، حيث لا تخلو ليلة واحدة من قصة وحكاية.. دعونا نبحر في أجواء عالم ليس كعالمنا تسردها الحاجة قبل النوم، لأبقى طوال الليل أتقلب على فراشي وخيالات الحاجة التي رسمتها تنتصب لي كمارد، وبعد أن نجحت في سرقة إغفاءة لأرتاح من استفسارات لا تنضب، هناك قلوب تتوق للحب، وهناك توق في عيون صديقتي إلى حب ووفاء من زوجها ووالد أبنائها، وقبل أن تكون التنهيدات لغة الشفاء وقبل أن تفيض جوانحنا بالحنان وطيب العشرة.

في هذا المقال سأمنح نفسي الفرصة لتحكي ما تشعر به نفسي سأمنحها الحرية لتقول بعض الشيء سأترك لنفسي مساحة لتعبر عما بداخل صديقتي، رغم أنني أريد أن استفسر عن مصير مقالي هذا بما فيه من بوح بركاني يسكن أوراقي،ىعنوان مقالي ربما يبدو غريبًا ربما يعتقد البعض أنه يتحدث عن مقالة فلسفية، وربما يظن البعض أنه إعلان جديد لستائر مخملية وربما وربما، ولكني كنت على موعد يوما مع إحدى صديقاتي لأداء بعض المجاملات الاجتماعية لها، كنت في طريقي لها أتذكر لحظات لعبنا ولهونا في المدرسة وأيضا لحظات الرومانسية الحالمة التي جمعت بين هذه الصديقة وزوجها منذ سنوات طويلة والتي أثمرت بعدها بولد وبنت في قمة الروعة.

وصلت إلى بيت صديقتي على الموعد كعادتي أحترم الوقت، سعدت برؤيتها وعندما تكون أي صديقة معها تشعر أنها اقرب الصديقات إلى نفسها، ألمح بعض تجاعيد الزمن بدأت ترسم خطوطًا متناثرة هنا وهناك على وجه صديقتي، رغم أن ابتسامتها ألمس فيها نقاء وصفاء بل وسعادة بلا تفسير ، وجلسنا نتحدث عن أيام الدراسة وعن أحوالنا وأمورنا وذكرياتنا، كانت لحظات صافية بلا مصالح بلا زيف، وحان وقت انصرافي وأنا أسترق إلى عقارب الساعة التي كانت وكأنها تعدو بلا أسباب.

دعتني في جولة داخل مملكتها وبدأت أتعرف على لمساتها وأصرخ بسعادة، عندما أرى شيئًا من أيام الطفولة تضعه بكل فخر هنا وهناك، ومن ركن إلى ركن حتى وصلنا إلى غرفة النوم فأبديت إعجابي دون أن أسمح لنفسي أن اقتحم خصوصيات صديقتي العزيزة على استحياء، لكنها صممت أن أدخل غرفتها حيث إنها الركن الأخير في جولتنا، نظرت فلمحت صورة زواجها بالأسود والأبيض وكانت أكثر من رائعة وما بين ما شاء الله وتبارك الله، التفت لتصفعني دمعة تهرب من على خدها دون أن أدرك سر تلك الدمعة التي تتقد نارًا، لدرجة أنني شعرت إن قلبها يكاد ينخلع من بين جبينها، جلست وأمسكت بيدها وتعجبت لماذا صديقتي تبكي وأكيد أغرقت عيناي بالدموع، ولا أدري لماذا قمت بالبكاء أيضا لا التشبيه ولا الكنايات ولا السجع تستطيع أن تعبر عن سر تلك الدموع، بل بكل حروف السؤال نطقت عيني صديقتي.

لم أصدق عيني فكم من السنين مرت بيننا في صداقة ولقاء وحديث بين هموم وشجون الحياة، ولم أسمع منها تنهيدة أو شكوى أو تلميحًا واليوم أرى الدموع تسقط من عينيها، لم أجرؤ حتى على السؤال، أمسكت بيدها ونظرت لها وتكلمت وهي تنظر إلى الصورة القديمة بعمر زواجها الطويل، همست بين دمعاتها الهاربة وبكلمات لم أدركها وحتى لم أتكلم ونظرت لها استرسلت في كلمات مزقت قلبي حتى قبل أن أسمعها تقول: ربما لم يدرك زوجي حتى إن هناك صورة لزواجنا على حائط غرفتنا أو حتى عطر وسادتي، حيث يأتي لاهثًا آخر النهار تطارده مكالمات هاتفه الجوال قد يجلس طويلًا في غرفتنا أمام صورة زواجنا كي يفرد جسده المنهك، وأنا منهكة بالمسؤوليات والإحباط والفراغ العاطفي وزوجي في عالم آخر، ولعله قد لا يتذكر أنه متزوج؛ رغم زواجهما القائم بينهما، فترك بينهما فجوة كبيرة جد،ا وكأنهما غرباء، أشعر أنها بحاجة لزوجها بكل وجوده الإنساني والرجولي فلا تجده معها بكل أنواع الوجود، فلقد تشابهت أيامها إلى درجة الضجر، وبين حين وآخر عندما تحدق في زوجها تكاد ألا تعثر على وجهه المعتق.

كيف تكون حياتهما دون كلام دون سلام دون حب دون عطاء، أي النهارات والزوجة دون زوجها وماذا عن الشمس مرة المذاق! ما عساي أقول لذلك الزوج دون أي شك إن لحظة التفاف زوجتك وأسرتك معك لحظة قيّمة في حياتك. هاجمني سؤال بإلحاح قوي: لمَ هكذا جفاء من الزوج مع سلوك هابط لا يرتقي مع الزوجة وأولادها والجميع تحت سقف واحد؟!
لقد خجلت مترددة أن أبوح بما لمسته من وجع صديقتي العميق، الذي بات عنوانًا من عناوين بعض قصص البيوت الخفية وراء ستارة مخملية أو باب ذهبي أو حتى مع زجاجة عطر فواحة، ليس غايتي من الحديث رغم أن هذا يعد من خصوصيات البعض، ولكن من المسؤول عن هذا التهميش أليست هذه مهمة الزوج وأكيد تشاركه الزوجة وما بينهما أولادهما في عداد الضحايا؟ ما أريد قوله: إن أي سلوك بالمطلق تعتاده النفس ويكرر على الخاطر ليصبح حدوثه نمطيًا فيذهب سر روعته.

لا أنكر لأحد رغبته في الوصول إلى السعادة وأيضًا لا أنكر ضرورة الصراحة والنقاش بين الزوجين، ولا أنكر معاملة الكثير من الأزواج الرائعة جدًا وعلى رأسهم زوجي الرجل الصديق الزوج الأب، الذي يستحق أن يحظى بلقب الزوج المثالي على مستوى العالم كله، وفي ذات الوقت لست هنا لأهاجم أو لأكون محامية أو مدافعة عن تلك المرأة، ولن أذكر أسماء حتى لا يحسب هذا الكلام في خانة التشهير بأحد فلتعذرني صديقتي.

لقد ضاعت مني الكلمات وتاهت كل الحروف التي طالما استدعيتها ما إن شكت لي صديقتي، ظللت أنظر إلى الصورة خلف تلك الستارة المخملية وغرقت نعم كان نوعا من الغرق لم أفهمه! خرجت من عندها تائهة حتى وجدتني أقف أمام البحر، وطلبت من رفيق عمري زوجي أن أترجل من السيارة، وقفت أبكي وكان بكائي بصوت عالٍ حاولت أن أكتمه فلم أستطع خوفًا أن يشعر بي زوجي ويتساءل عن سبب بكائي؟ لم أشأ أن أخبره بما تألمت به من أجل صديقتي، وتذكرت حلمي منذ فترة كأنني رأيت حمامة بيضاء تبتعد باتجاه السماء وعنقها يقطر دمًا، ولن أجادل في تفسيره، لقد أصابني بعض القلق فأصيبت نبراتي بالوجع ولم يفهم وجعي القلم ويستولي على فمي الذهول والدهشة أدخل على أثرها حالة من الصمت وأصبح عاجزة عن الاستيعاب وأرفض التصديق، ولحسن حظي أفاقني من ذهولي صوت المؤذن قائلًا "الله أكبر".

أعتبر هذه المقالة نادرة لي في زمن الانكسار رغم شيوع مثل القصص، ما أقساه من قدر، لقد تجاوز الأمر المستحيل وتجاوز التخيل، حاولت أن أمسك دمعتي حتى لا تفور، ولا أدري أين ستكون مشاعري المتواضعة في هذه القصة.

كم تسرقنا أيامنا من أحبابنا، كم تسرقنا آمالنا من أعمارنا ونصبح عبيدًا لسيد سلطانه أقوى من أي سلطان، وقد نصبح عبيدًا لطموح وأحلام لا تنتهي، قد نموت قبل حتى أن ننعم بثمار إحدى لحظات التعب والقهر والوجع، ونلمس أن الوحدة هي كل عالمنا ولو كنا وسط الدنيا، ولكن لماذا كل هذا وأنا أدرك إن الجرح هناك وهاهنا الألم؟ وكنت أود أن أهمس في أذن صديقتي أن تغرق ولعل البحر ينقذها من هكذا وجع وخواء عاطفي لا تستحقه بعد سنين من العشرة وحتمًا أن العديد يواجهن مثل هذه الحكاية بقصص موجعة.

في هذه اللحظة يفاجئني سؤال قوي؛ لماذا يختار القهر والوجع وحده المكان والزمان لأحد الموجوعين؟ يا إلهي كم للوجع آهات لا يمكن تفسيرها حيث صديقتي تلك الإنسانة المتخمة بالمشاعر النبيلة والأحاسيس الصادقة تدرك أكثر من أي شخص آخر أن من أحبته قد جعلها تحفة مهملة في بيته دون ترتيب، فالمسألة اليوم بهذا الشكل تصبح مصيبة المصائب، فحين يبيع الزوج ضميره طوعًا ويصبح همه إرضاء نفسه، ويترك زوجته وأولاده فإنه في هذا يسيء إلى أسرته وينظر إليهم بعين الاحتقار في شخص زوجته، لاسيما أن الأسرة تعيش معًا تحت سقف واحد دون حياة طبيعية حيث يلتحفون رداء غير ردائهم.

لا أدري إلى أي مدى يمكن أن يكون الزوج متجردًا من إنسانيته! أو يمكن أن يكون فعلا باحثا عن نزواته وتساؤلي عائد إلى أنني أنطلق من قناعة، بأن الزوج هو الأول والأخير والحارس الأمين لزوجته، وهو المسؤول الأول عن إسعاد زوجته وحمايتها مع أولادها.

لكل شيء ثمن لابد من أن يدفع، ولكني أرفض تماما وبشدة أن يكون ثمن أي شيء في الدنيا إحدى اللحظات السعيدة التي أقضيها مع من أحب، أرفض أن تسرقنا الدنيا من أنفسنا فسعادتنا مرهونة بسعادة مع من نحب، كم يحزننا أحيانا أن نواجه الواقع بلا أي تجميل كما هو، قد تكون صورة زواج أو رائحة عطر منثور فوق عنق أو كوب قهوة جديد، أين هو الحب الذي أحيا هذه الأشياء سابقا؟! هل أخذتنا الدنيا ممن يجب أن يكونوا بقربنا وأقرب لنا قد يشاركوننا نفس الحلم.

عفوا يا قارئي الكريم أحاول ألا أشوه أحزان غيري بأفراحك، ولكن عندما يفتك الحزن والألم بمن نحب علينا أن نحترم لحظة حزنه ووجعه ونحترم ساحته النفسية، وقد تكون خلاصة إحساسي بوجع صديقتي من خلال دموعها، حيث أفاقني من ذهولي صوت المؤذن: "الله أكبر حي على الصلاة"، فقمت حينها للصلاة مع ذاك الصمت المطبق والحر القائظ والهاتف الصامت، أدرك تمامًا أن مقالي لا يكفي كي يوقظ إحساس من لا إحساس له.

وقبل أن أنهي مقالي سآتي بحديث القطيف كعادتي، وسأرتمي بعشق طفولي بين شطآنها، القطيف كالحب لا تدرك سره إلا عندما تعيشه وتندمج في تفاصيله، وكأن القطيف أنثى تحمل في ثناياها عطرًا استثنائيًا يعبق بالريحان والياسمين والمعتق بالعود الهندي، ولن أستطيع أن أزايد على ما كتبته هنا بإحساس مرهف.

أنا لم أنته بعد! كل شيء مؤجل إلا حب القطيف وكم هي محظوظة القطيف، تئن وتحٌن وتتأمل وتأمل حيث علمتني كلما ازدادت حنانا ازددت عشقا لها.
يا ترى أي المقالات ستحظى بالتواجد هنا هذا ما ستقرأونه لاحقًا.