أيقونة العطاء بحب

بعض الموت يغتال روحًا فيهب برهبته حياة لروح أخرى.. بعض الآلام تصنع آمالًا من رحم المعاناة وكثير من المعاناة تخلق الإبداع.
الاثنين الخامس من الشهر الثامن ميلادي من عام 2019م، وفي أحد أحدث المستشفيات في المنطقة الشرقية وبأداء الفريق الطبي المحترف المشهود له بالكفاءة والنجاح في عمليات زراعة الأعضاء في مستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام وتحديدًا بقسم زراعة الأعضاء:
تألق العطاء في أبهى صوره حين تقتطع جزءًا من جسدك ليزرعه الأطباء في جسد عليل فتدب فيه الحياة من جديد انطلاقاً من قيم السماء في قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}.
كان موعد حياة جديدة لجسدها الذي أتعبه فشل أداء عضو من أعضائه الحيوية الأساسية؛ فصيّر حياتها سلسلة من الآلام والمعاناة كل ليلة حين تكبل نفسها بتمديدات جهاز القسطرة وتقيد حركتها لمدة ثماني ساعات متواصلة فلا يمكنها ممارسة أبسط الأعمال الروتينية في الحياة.
بدأت المعاناة قبل سنة ونصف السنة فقدت خلالها الكثير من حيويتها ووزنها وبريق عينيها الذي يشع سعادة حتى نحن عائلتها فقدنا تلك الأجواء المرحة التي تثيرها في منزل العائلة عند اجتماعها في الإجازة الأسبوعية أو أي مناسبة أسرية أو اجتماعية..
كانت هي الأخت الصغرى.. المدللة التي لم يزدها الدلال و التميز إلا لطفًا وقربًا من كل أفراد العائلة أخوة وأخوات..
كان لطبعها المرح وقدرتها على اغتصاب الضحكات من القلوب وخفة دمها أكبر الأثر في قربها من الجميع ومحبة زوجها الذي لم يدخر وسعًا في التخفيف عنها ورعايتها في فترة مرضها.. وقد كان نعم الزوج الذي يحتوي زوجته بحبه وحنانه ويغدق عليها من عطائه ما يسد جميع احتياجاتها ولا يتأفف من كثرة مواعيدها وضرورة ترددها ومتابعتها في المستشفى أو يبدي تذمرًا إن لم تسعفها صحتها للقيام بجميع الواجبات المنزلية. كم يعجبني هذا النموذج من الأزواج الذي تتضح محبته عمليًا في تحمله قساوة ظروف مرض الزوجة لا سيما إن كان مرضاً مزمناً يتطلب رعاية طويلة الأجل. وكم يحبطني رؤية النقيض من ذلك حين يمل بعض الأزواج من حالة الزوجة المرضية فيلجأ لزوجة أخرى تقدم له جميع خدمات الزوجية التي تعطلت عند الزوجة المريضة وكأنها آلة للمتعة والخدمة وقد انتهت صلاحيتها بسبب تعطل بعض الوظائف الجسدية لفترة مؤقتة.
و عادت ابنتي المغتربة وقطعت دراستها بقرار شجاع وهو أن تضع حداً لمعاناة خالتها التي تستحق هذه التضحية.. عادت وهي متسلحة بإصرارها على هذا العطاء الذي ثمّنه كل أفراد العائلة وحاول بعضهم ثنيها عن تحقيقه بيدّ أنها تمسكت بقراراها وأقنعت من كان يخشى عليها من خوض هذه التجربة لصغر سنها حتى الأطباء الذين كانوا يعتقدون أن ثمة من يضغط عليها أو يقنعها ولذلك تم تأجيل قبول تبرعها لأكثر من ستة شهور للتحقق من مدى اقتناعها وجديتها.
وحين عادت شعرت أنني أنا عدت كذلك وسعدت بعطائها الذي لم يكن لي أي فخر في إنجازه فليس إرثاَ ورثته من والديها كما قال لها الكثيرون إنه قرارها واختيارها وهي التي أصبحت بذلك فخرنا.
عند عودتها شعرت بروحي تعود من جديد وكنت قد تكومت في عالمي الصغير وفرضت على نفسي عزلة إجبارية هروباً من بعض أصناف البشر الذين تضطرنا ظروف الحياة أن نتعامل معهم لفترة مؤقتة قد لا نسلم من نتائجها الوخيمة.
عدت أخيرًا لنفسي التي خاصمتها طويلاً وكنت أتوق لهذه العودة منذ زمن لأنني كنت أنتمي لفضاء فارغ باهت لم يكن مناسبًا لي..
أكاد أختنق فيه رغم اتساعه لأنه لا يشبه محيطي الذي اعتدته وزدته جمالًا بحيويتي وتفاعلي مع إنجاز طموحاتي.
نعم طال غيابي وابتعدت عن كل أحبابي واستعر لهيب عذابي وقل حصاد كتابي، وكنت تائهة قد أضعت حسابي وتدهور حالي فقد اقتلعت رياح الحقد بابي وأسرفت في إرهاقي باختلاق كثير من توافه الأسباب.
لقد عشت تجارب مرضية كثيرة ورأيت الكثير من الأهل والمعارف الذين يقيمون في المستشفى لإجراء عمليات وغالبًا تخيم على المرضى مشاعر الخوف والقلق وأحيانًا التشاؤم بتوقع نتائج سلبية وأحياناً يصل التشاؤم بالبعض إلى حد توقع الموت فيمتلئ العقل بالأفكار السوداوية التي تتعارض مع قيم التوكل على الله وتسليم مقاليد الأمور بيديه، ولذلك فإن ما رأيته في حالة هذا الثنائي الجميل من المعنويات المرتفعة والتفاؤل والتعليقات اللطيفة التي تبدد وحشة الآلام الماضية وتبشر بغدٍ أجمل كل ذلك أذهلني في الحقيقة.. وأنا أستمع لحديثهما وأشاهد ردود الأفعال الإيجابية وأسمع ضحكاتهما اللطيفة يتراءى لي أن إحداهما ستعطي الأخرى هدية رمزية من صديقة لصديقتها وليس أنها ستقتلع عضوًا من جسدها وسوف تتحمل آثار التخدير المؤلمة وتشوه جزءًا من جسمها وهو مكان الجرح وغرز إغلاقه ثم الالتزام طوال عمرها بأدوية ونظام غذائي صحي لأنها ستكون بكلية واحدة
بعض الناس لا يمكنه أن يشاركك حتى بوجبة غذائية لا يتعدى سعرها ريالات معدودة..
ومن ناحية المريضة التي ستتلقى الجزء المتبرع به فقد أدهشني احتفاظها برباطة جأشها واستمرارها بالتمتع بحسها الفكاهي والتندر بكل ما يبعد عنها الهواجس المخيفة مع أنها تعي تمام الوعي خطورة العملية واحتمالية مضاعفات سلبية على وضعها الصحي أو عدم تقبل جسدها للعضو المزروع، لكن يبدو أن توكلها على الله ثم دعوات أسرتها وتمسكها بالحياة هو ما جعلها تخوض التجربة بكل شجاعة وتخرج منها بكل نجاح وتزف البشرى لكل أفراد أسرتها بسلامتها وسلامة البطلة التي تصغرها بعشر سنوات وتبتسم كل منهما على سريرها وهي تغالب آلام التخدير وتحاول أن تطمئن على سلامة رفيقتها في حياتها الجديدة.
من أجمل المشاعر في حياة الإنسان الإحساس بالراحة والسعادة بعد معاناة طويلة كان أقساها ثماني ساعات انتظار الانتهاء من العملية وخروجهما بالسلامة بعد أن ترك الجراحون في كل منهما ذكرى لن تغادرهما مدى العمر وخلفوا لنا سعادة متجددة ستبقى كلما تذكرنا هذه التجربة الجميلة..
قبلات حب وإكليل
تقديرًا لأختي حوراء لتحملها آلام لا تطاق لمرضى الفشل الكلوي.
أما ابنتي البطلة أيقونة العطاء فإنني أضعها تاجًا على رأسي أفخر به مدى العمر وليس أجمل من ابتسامتها مباشرة فور إفاقتها وسؤالها عن الجميع وكأنها ليست المريضة.
وأخيرًا فقد شعرت أن أروع ما تعطيه الغربة للمغتربين هو حجم الوعي والشعور بالمسؤولية والاستقلالية وتقدير الآخرين وعمل الخير لدوافع إنسانية أكثر من أي دوافع أخرى.. وهذا ما نحتاج له و لابد أن نغرسه في أولادنا وبناتنا وإن لم يكونوا في الغربة.
شكرًا لكل من شاركنا وساندنا بالدعاء والسؤال وشفا الله جميع المرضى في كل مكان وأراحهم من أوجاعهم.



