الإفلاس الثقافي

تحية بيضاء مغسولة بماء السماء مع طرح جريء صريح ودعوة جميلة لأن نغتسل بمياه نقية ربما من ذنوب عالقة، أحاول أن تكون لغتي صافية وأصوغها على طريقتي، ولا أريد إجهاد القارئ معي، أحب أن يتنفس وهو يقرأني، أحلم أن تكشف يا عزيزي القارئ ما وراء النص.
بدءًا عليَّ الاعتراف أن العنوان يحفزني لنبش ذاكرتي، لمعرفة إذا كان للنص صلة بخربشات فقط، حيث استنطقت نصي وخرجت من صمتي، كان هذا رد اعتباري لإحدى معارفي المثقفة جدًا في التحطيم والإحباط، تحدثت عني مؤخرًا بسخرية كعادتها في كل ما هو جميل لغيرها، إن كل كتابات غالية المحروس ما هي إلا خربشات بلا معنى -حاشا القارئ- فلتسميها كما تشاء، وهي أفكاري تمشي خلال حروفي، وإن أضفتُ لخربشاتي الخيال جاءت خربشات ذات مستوى رفيع، حيث أجد نفسي في مقالاتي مما أوحى لقلمي أن يخط خربشته، وهناك من يميل إلى هكذا خربشات، وتلك الأخت هي من تتسلل خفية لقراءة مقالاتي لا للثقافة بل من باب الفضول والسخرية، وهذه إحدى صفاتها لا يهم إن يروق لها ذلك، لا أعلم سر حساسيتها من ذلك ولا أستغرب تصرفها وما تقوم به هذا الذي يشبهها، ما علينا منها لتأكلها الغيرة وليشربها القهر وليبلعها الحقد، عادت بي الذاكرة إلى تلك الأيام الجميلة التي لن تعود أيامًا، سميت من قبل الأغلبية "العصر الذهبي للثقافة العربية".
يستفزني الواقع ببعض أطيافه من فرح وحزن حب وكراهية، وهذا الوجود بحد ذاته ابتلاء، ومع تلك الابتلاءات أرتب نفسي وفكري، حينها ألجأ للكتابة والتي تحرضني على الرؤيا والإحساس بآدميتي وأتنفس واقعي وتجربتي مع مجتمعي، الذي يتعرض إلى غبن كبير مما أثر سلبًا على جوانب الحياة، ولعلني أبالغ لو قلت يمر المجتمع في مرحلة مخاض عسيرة، ولا أغالي إذا قلت من دون ضوء الشمس لا حياة رغم أن الفجر على مجتمعنا أمر استثنائي، ولأني لا أريد المراوغة أو السماح لنفسي باستخدام الكثير من المفردات الغامضة منذ البدء، ولكن حينما تغرب النفوس بالحقد ترتجف أصابعي لحظة الكتابة، وهي ليست ثأرًا وليست رد فعل ولا حتى وسيلة للانتقام وإنما هو عمل حر بامتياز.
في صباي انجذبت في وقت مبكر للقراءة فتولدت الكتابة لدي باكرًا، ومنذ كنت صغيرة كنت أكتب أحاسيسي ومن خلالها جعلتني أهتدي إلى أسلوبي وهويتي واكتشاف ذاتي، رغم أنها تقلقني، كنت أنحاز إلى الحكايات ذات الوقع الإنساني وكنت طوع قلمي، حيث الذاكرة هاجس دائم في مقالاتي، فذاكرتي شخصيًا توجعني حين تفلت مني ولا تستجيب لرغبتي بحفظ الأشياء كما هي، لا يعنيني كثيرًا أن يتهمني البعض بأنني أكتب بأسلوب شخصي، ولكني أعبر عن ذاتي وألمي بإحساسي ولا أطمح أن أجني شيئًا غير إرضائي، وأنا من أعطيت نفسي هذا الامتياز، علما أن الجرأة لم تكن هاجسًا عندي أو هدفًا يحركني.
ثمة أسئلة لا تحتمل طبيعتها إجابات صريحة من هذه الأسئلة سؤال لطالما طرحته على نفسي، ولطالما وجدت صعوبة حتى في إيجاد إجابة شافية، هنا أسأل كل المثقفين وأنصاف المثقفين ما الذي أدى إلى هذا الافتقار والإفلاس الثقافي عند الكثير، هذا تساؤل يفرض نفسه، لا شك أن الأزمات قد ساهمت في إحباطنا الفكري مما ساهم بتأسيس الإفلاس الثقافي، ولكن علينا بممارسة ثقافتنا في الهواء الطلق وعلنًا نستند إلى كل ما هو إيجابي، لنصل من خلال الاستقراء واللحاق بركب الحضارة الفكرية.
لست أنا من أمنح أو أحدد ثقافة الشخص، وقبل هذا لابد من الترجل عن صهوة التمرد، وحتى هذه اللحظة التي أقر فيها بخجل عميق من فيض نباهتك الفائقة أيها القارئ العزيز، لن أتعدى حدودي المسموح بها معك في النقاش، ولكن يداهمني سؤال قوي: هل نشكو من الغياب التام للثقافة عند مجتمعاتنا العربية؟ علما أن حالة التصحر الفكري شائعة في بعض مجتمعات العالم العربي، ومن خلال ذلك قد تحول في العقد الأخير إلى ما يشبه جزيرة معزولة، يسوده الحذر من كل ما هو ثقافي هذا ما يتراءى لي، وإن أخطأت فأعذروني فالخطأ وارد.
حين يغضب الكاتب الألماني خوسيه ينسى اللغة الألمانية فتخرج كلماته الإسبانية كالرصاص، وكان الفنان الإسباني بيكاسو يقول يومًا: "إن على الرسام أن يعود طفلًا" وكذلك الكاتب هو من يبحث عن الكلام، قد تتهموني بأنني عديمة الخيال ولكنني لا أكتب إلا شيئًا أدركه، حيث أتنفس اللون فوق البنفسج بمعنى لابد وأن أمارس تمارين اليوغا أولا قبل أن اطل عليك أيها القارئ، وعندما تنتابني لحظة قلق أهجم على ما تبقى في فنجان قهوتي برشفة شرهة.
لم يبالغ الأديب الروسي تشيخوف عندما قال: "إن الحضارة إذا اقتربت من سافل صغير فسرعان ما يصبح سافلًا كبيرًا"، "العذر من هذا المثل" فالثقافة من مراتب التحضر الإنساني، ولكنها تبدو عند أشباه المثقفين عرضة للاحتقار والسخرية، حيث يمارس بعض المتشبهين بالثقافة بتضخيم ذواتهم وأنا أعتبر ذلك عاهات إنسانية قبل أن تكون ثقافية، وهم من ينكرون غياب البعض من المثقفين عن الميدان الثقافي، سأعبر عن هذا الأمر من منطلق شخصي فأقول: وثمة افتراض راجح لكنه مخطئ كليًا لا تؤاخذوني عليه، لعلني أعرض اهتماماتي واجتهاداتي وقدراتي أمام الآخرين، برغم كل العوائق وعزائي وعذري هو أن المثقفين لديهم قدرة لممارسة فن التعبير عما يقومون به، وما يستوقفني كأمر ممتع أكثر من هذا بكثير، فإن كون المرء مثقفًا لا يتعارض إطلاقًا مع كونه أكاديميًا أو حتى عازفًا على العود، وما أقصده أن المثقف ليس من الضرورة أن يتسلق جبلًا أو يعتلي منبرًا.
من هم المثقفون؟ كلمة طالما نسمعها تتردد على ألسنة الناس، يصفون هذا مثقف وذاك بعيدًا عن الثقافة، يخطئ من يظن أن المثقف هو من يحمل الشهادة العليا، ويخطئ من يظن أيضًا أن المثقف هو من حاز على لقب علمي، فالمثقف الحقيقي هو من تكون أقواله متفقة مع أعماله، وأن يكون إيجابيًا في تناوله للقضايا المختلفة، وأن ينظر للحياة بنظرة جميلة متفائلة وبعبارة أرى أنها أكثر دقة من هو المفكر؟ دفعني لطرح هذا السؤال ترديد مسمى المثقفين.
إن المثقفين في الواقع هم قلة وهم الذين يكرسون أنفسهم للثقافة، حيث إنها بالنسبة لهم قضيتهم ويظنون أن المثقف يبحث عن أفكاره ويجدها بنفسه، وهم الذين يكرسون أنفسهم للقراءة فالقراءة تحتاج إلى جهد واطلاع وعمل، وعندما تكون مثقفًا لا يكفيك أن تتحدث إلى الآخرين بالمقاهي ولا أن تقرأ الصحف أو أن تسمع الراديو وتشاهد التليفزيون، بل أن نذهب إلى الأبعد والأعمق في الأمور التي تعنيك، أدرك تمامًا أن الثقافة جهد ومعرفة وعمل، حيث يروقني المثقف المختص وهو ينتج ويعمل ويتعمق ويبحر في ثقافته وينشر ثقافته بين الناس، إن صمت المثقف هو خيانة لذاته الثقافية ولعقله.
إننا وسط ثقافة لكن في الحقيقة الثقافة العربية للأسف ذات هامش ضيق، وهي موجودة ولا نريد أبدًا أن نهمش أو ننقص منها شيء، هناك قلة من هؤلاء الذين يعتبرون الثقافة عملًا جادًا، وهم يحاولون طرح المسائل التي يظن الغير أنها سهل حلها ويحاولون من جديد القراءة، وبعض هؤلاء من كرسوا حياتهم للثقافة لا يقرأون، أليست هذه كارثة ومصيبة عندما تكون مثقفًا وأنت لا تقرأ أو تقرأ القليل! إذا أين تكون ثقافتك، كيف نلمسها أو نشعر بها أو حتى نقتبسها منك؟ إذًا نحن أمام أزمة مثقف وأزمة ثقافة حقيقية حيث إن المسألة تتعلق بـ"لا تصفق اليد بلا كفين"، من وجهة نظري إنها جريمة كبرى وأعتبرها نسخًا لعقل لا ثقافي، حيث لا أجد مثقفين بعدد ملحوظ وكبير وإن وجدنا فهذا يشكل أكذوبة أو ظاهرة كبرى، لا أعرف الكثير وإن عرفت البعض فهي معرفة مبعثرة للأجيال القادمة.
كثيرة هي الكتابات لكن قليلة جدًا هي القراءات، وأعتقد جازمة أن هذه المسألة هي ثقافية تمامًا، وتتعلق بتبني ثقافتنا العربية وثقافة بناء الفكر العربي هنا وهناك، لابد من إسهام كل العقول في التفكير دون تردد أو خوف، كيف يبقى المرء على هامش الثقافة ويتربع على قمتها، سؤال يقفز إلى الأذهان عندما يستحضر المرء الوضع الثقافي الراهن، مهما استفضنا في الحديث عن هذا الأمر عاجزين عن نقل الفكرة، وقد تعتبر الثقافة عند البعض أشباح تظهر وتختفي في العتمة أو أنها ظاهرة، فالثقافة صارت من الكماليات أو ضاعت على الفضائيات أو تشوهت بين مناهج المدارس المنهكة وبين مطالب الحياة الصعبة، ونخبة ثقافتنا سيبقون في حلم ليلة صيفية، ماذا أقول إلا لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قلما تستهويني المقالات السياسية فأنا أميل إلى المقالات ذات الثقل الثقافي، وأتخيل مسبقا مع بعض الاستثناءت القليلة، إن المثقف يخفي كنوز ثقافته بشتى الطرق المتاحة، ولم يكن هاجسي هنا الاختلاف على المثقفين ولم أكن أصلًا في سجال معهم، سأعطيك مثلًا بسيطًا أظن أنني كنت بين قوسين أكثر طبيعية وأكثر مجاراة لمفهوم حديث عن الثقافة، ومن حسن الثقافة أنها لا تعبأ بنا وأنها بريئة مما قيل وقال وكما هي منزهة عما عداه، إذا كان الأسود لا يصنع الليل فالبياض يصنع النهار، ما زلنا نتخبط في متاهات مفهوم الثقافة نريدها قسرًا بينما هي شفافة.
بين ألف القول ويائها ثقافات ومفاهيم ومراحل ومحطات ومجالات للاستفهام، وإنه الواقع الذي ينفي الواقع نفسه، أقول هنيئًا للمثقف العربي الحقيقي والذي سيثير كوامن شتى في كثير من المثقفين العرب بكل تأكيد، رغم ذلك أجزم أن صوت المثقف العربي غائب وهنا أضع المسؤولية على المثقف نفسه، وفي ذات الوقت لن نخجل أن نعترف بأخطائنا وبقلة ثقافتنا، ولكن العار أن نسمح للغير أن يطمسوا ويدفنوا ثقافتنا إذا كانت هناك ثقافة حقيقية، وهل تستطيع الثقافة العربية الخروج من كبوتها وسباتها؟ لا أظن ذلك لأنها قد تجمدت، فالثقافة العربية تعيش مأزقًا حقيقيًا، فما الذي حدث ومن المسؤول الأول عن ذلك؟ لكن لا يزال على الشفاه سؤال دون جواب، ومع بياض اللغة وعطر البوح يذكرني برياحين القطيف وحتمًا لا أجاملك اعتباطا، إن المجتمع العربي يحتاج إلى المثقف القادم من عمق وقلب الذي يحمل الهم والألم الإنساني، وسؤالي هل المثقف العربي قادر على تجاوز الوضع الراهن من تشويه وتزييف الفكر بل وغيابه، حيث تقف الثقافة العربية عائقًا أمام أهلها والمتحدثين بلغتها، وهنا أزمة ثقافة مشوهة ليس لها عنوان سوى أين ذهبت الثقافة لعلها خرجت ولم تعد حتى الآن!
هاتف الفجر من يتفاءل به؟ وفي لمح البصر طار ما تبقى من النوم من عينيَّ، كانت الساعة تقارب الرابعة فجرًا ولم يكن الظلام قد انقشع بعد، فمن النادر أن أذهب إلى النوم دون أن أقرأ بعض الشيء فبعض الكتب تتآمر على نومي، لا يمكن للكاتب التفرج فنحن نعيش في حالة طوارئ دائمة، ولكني لا أستطيع أن أغمض عيني عن وضع المرأة في مجتمعي، وأعتبر نفسي صديقة لكل رجل يمد يده الكريمة للمرأة سواء كانت أخته أو ابنته أو والدته، والأجمل إذا كانت زوجته شريكة دربه، الثقافة بكل أطيافها آخذة في التأزم، سأتحمل مسؤولية ما كتبته هنا، لكل مثقف أنحني إجلالًا وأنا على أرض القطيف الهادئة من وطني.



