الواهمون..

تحيّرت كثيرًا في فهم فلسفة الازدواجية في التعامل بين الناس حتى حسبت أني أضعت البوصلة.
سأذكر بعض الشواهد للإيضاح..
كنت متواجدًا مع أحد تجار العقار في القطيف يومًا ما فجاءته مجموعة من الناس، فاستقبلهم وضيّفهم، وأكرمهم إكرامًا بلا حدود، وبأعلى درجات الذوق؛ وعندما خرجوا لم يدع في أجسادهم شحمًا ولا لحمًا ولا عظمًا ولا شعرًا إلا أكله. وحسبت ذلك موقفًا شخصيًا ثم تبيّن لي أن هذه الحالة يفعلها مع العشرات أو مع جل الناس.. ورأيت من رجل أعمال معروف مثل ذلك أيضًا حيث يزن الناس بأموالهم ويقيّمهم بالمثاقيل. فعلمت أن بعض الرأسماليين لا قيم لهم، ولا أخلاق، ولا آداب، وأن قلوبهم خلاف وجوههم.
وكنت ذات مرة مع أحد أرباب الفكر وكبار طلبة العلوم الدينية في القطيف فسألته عن أحد رجالات العلم في المنطقة فقال: إنه بلا دين وضرب على عنقه بذلك، وبعدها بثلاثة أيام رأيت صورًا له وهو يزوره في منزله ليهنئه بالعيد.. كما أني سمعت من طالب آخر ما يدمي القلب حول بعض الأشخاص؛ ولكني وجدته يفرش قلبه سجادة لهم ويعاملهم كورود الجنة عندما رآهم.. تحيّرت في فهم فلسفة الفعل وعلمت أن النفاق أدنى مسمياته.
وكنت مع أحد أصحاب المآتم في مجلسه ذات يوم، وكنت أتحدث معه عن حسن أخلاق صديقه الذي كان معنا قبل قليل وهو رجل صالح؛ فشتمه وقدح في أمه وشرفه ونال منه نيلًا عظيمًا وبلا توقف، وقد كان يجله قبل دقائق. علمت بعدها أن الشيطان لم ينافق الصالحين كما يفعل هذا الرجل.
وعلى هذه النماذج فقس الكثير، وخاصة من الجهلاء أو الحمقى...
نحن لا ننفي أبدًا أن المداراة والمجاملة نصف العقل، ولكن لا يكون ذلك حين تنقلب القيم رأسًا على عقب ومع العديد من الناس.
لا يخلو أحد منا من البوح لخواصه وصفوته بتحفظاته؛ ولكن لا يكون ذلك التحفظ على الناس قاطبة وبتجاوزات غير موضوعية.
عزيزي...
حين تكون وجهة نظرك في شخص ما سلبية، أو رمادية، أو لا تميل إليه، أو تكرهه فلا تقدسه أمامه وتجعله سيد قلبك وأمير زمانه، ثم تجعله شيطان زمانه وحقير دهره بعد لحظات من خروجه؛ لأنك بذلك جسدت صفات المنافقين الكاملة الخالصة وبأعلى الدرجات.
عزيزي...
دع وجهك، ولسانك، وتعاملك مرآة لقلبك وضميرك الحقيقي فحسب، ودع الخلق للخالق.
تقديسك للناس في وجوههم، وتسقيطهم في ظهورهم؛ يعكس سوادًا في قلبك لو ألقي على الشمس لأطفأها.
إن ابتسامة الأفاعي ليست خافية على الورد الأحمر حتى لو لم يصرح بها.
لا تتوهم - ولو للحظات - أن ما في قلبك من مشاعر سلبية أو إيجابية أو خلجات تخفى على قلوب الآخرين.
للقلوب لغة أدق، وأصدق وأوقع من كل الكلمات ومن كل السلوكيات المصطنعة.
كل أنواع السلوك قد تخون أو تشتبه أو تكذب؛ أما لغة الإحساس والشعور فتعكس الواقع الحقيقي للقلوب كما هو.
طبعا؛ ما ذكرناه لا يحكي الحالة السائدة في المجتمع، ولا يعتبر ذلك ظاهرة عامة؛ ولكنه يسلّط الضوء على نافذة ينبغي أن تغلق، أو تحجم، أو تُقرأ بعناية.. فضلًا عن أن الشواهد المذكورة أعلاه لا تعكس أخلاق الفئة التي تمثلها مطلقًا وبأية حال، وما هي إلا حالات يسيرة فردية لكن أخطارها فادحة.



