أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الرسول الأكرم وانبثاق الإنسانية المتحضرة

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالجمعة 25 أكتوبر 2019، 11:50 ص
الرسول الأكرم وانبثاق الإنسانية المتحضرة

لقد شكلت القيم الإيمانية والتربوية التي دعا إليها الرسول الأكرم (ص) وعمل على تطبيقها وزيادة رقعة ترسيخها، ومضة حضارية انتعشت النفوس بأريجها جيلًا بعد جيل تستشعر معها بقيمة هذا المخلوق المكرم وموجبات ذلك التكريم والرفعة، فهل يمكن للمفكرين والنخب الثقافية من مختلف الأديان أن تغفل عن تناول هذه الهبة الإلهية وتأثيرها الإيجابي على احتضان الإنسان وانتشاله من دياجير الاضطراب والضلال، وتتجه به سفينة القيم و التعاليم المحمدية نحو ساحل هدوء النفس وراحتها بعيدًا عن أمواج عاصفة للمادية الحاطمة؟

فدعوة الرسول الأكرم (ص) كانت من الوضوح والسلاسة بحيث لا يستعصي على العقول فهمها واستيعابها، وقاد (ص) حركة الحوار وتقبل النقاش في أي مسألة عقائدية وفكرية وتناولها بعين التبسيط والاستدلال، وهذا القرآن الكريم والمصادر التاريخية تنقل لنا جانبا من هذه العظمة الفكرية، والتي تتصف بالتحرر من العنف الفكري أو الإسفاف و العواطف العمياء والتقليد، حتى بقي المتأففون من عبق دعوته متأرجحين بين الاتجاه نحو العناد و التكذيب دونما دليل أو برهان يستندون إليه، أو استخدام الأساليب النفسية المبعدة للناس من الاقتراب من النورانية المحمدية، وذلك ببث الشائعات والتخرصات عنه واتهامه بمختلف التهم الباطلة كالجنون والشعوذة - وحاشاه - هذه القيم المحمدية حاضرة في كل زمان تتحدى كل إنسان أن يعاندها بمكر الأفكار وتمويه الأساليب الخادعة.

إننا لا نجد احترامًا لإنسانية الإنسان أكثر من احترام عقله وحريته في الاتجاه بما يمليه عليه فكره وضميره، ومن الأدلة على قيام الدعوة المحمدية على تحرير العقول من آفة الانغلاق و التزمت هو قوله تعالى: {لا إكراه في الدين}، فهي تعني مرجعية لعقل الإنسان في تبني الأفكار وطرحها مع تحمل مسئولية متبنياته ومعتقداته، فأي فكرة ليتقبلها ولكن بشرط أن تكون نواة انبثاقها من فكره لا أهوائه وهرطقاته، فلا يقبل أي عنف فكري يمارس ضد الإنسان ليخطف منه التسليم بالدين، وهذا ما يعود عليه بالإحساس بمكانة عقله وتكريمه بتجنب اللوثات الفكرية الخادعة والنزعات التحررية المتناقضة مع إنسانية الإنسان وتعاليه عن الانحدار نحو عالم الشهوات البهيمية المتفلتة.

وأي درس نراه من الإشراقة المحمدية كالتعامل مع الطيف المجتمعي المتلون في أفكاره ومعتقداته؟! إنه درس التسامح والمحافظة على هذا النسيج من التقطع بسبب تحجر فكر أو تفلت سلوك، فالاختلاف بين البشر من سنن الحياة ولن يختفي، وعلى الناس التعامل معها كواقعية لا تعني تقبل التسليم بها وضعف الرضا بها، وإنما هو التسامح الداعي إلى تقبل وجود الآخر وإن اختلف دينه ومشربه، فالرابطة الإنسانية مقدسة ولها نظم وقوانين تقوم على احترام الآخر وعدم التعدي عليه بأي لون مادي أو معنوي يقدح بشخصيته، فسمة التعاليم المحمدية أن تنزع من القلوب كل غل وحقد وأي مشاعر سلبية تجاه الآخرين، فشريعة محمد (ص) الغراء مبتناها على الحب لله عز و جل وللآخرين من حوله دون تفرقة أو تمييز، أو ليس الناس بأجمعهم في علاقاتهم الاجتماعية واستظلالهم بسياج الأمان والتكاتف الاجتماعي بحاجة إلى تعاليم رسول الله (ص) الداعية إلى الرحمة والعطف والشفقة حتى على الحيوان، فضلًا عن أخيه الإنسان؟!