أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

هداية

زهراء العبندي · القطيف اليومالثلاثاء 5 نوفمبر 2019، 3:49 م
هداية

أنا اسمي هداية، في وحدتي أصبحت جليسة الكتاب والحكاية وسأحكي لكم قصتي حين أنقذت حياتي رواية.

منذ الصغر كنت قارئة نهمة، ألتهم كل كتاب تطاله يداي، كنت أقرأ من مكتبة والدي الثرية ثم بدأت أجمع كتبي بنفسي.

كانت والدتي كثيرة التذمر من وحدتي وانطوائي، لكني في وحدتي وجدت ذاتي وتصالحت مع كياني، لم أحزن يومًا من التعليقات القاسية من نسوة العائلة او تنمر الفتيات في المدرسة، لم يكن يهمني نظرتهم الضيقة، لست ذات العيون الواسعة كأمي ولا ذات الشعر الحريري كعماتي، كنت أدخل قوقعتي وأعزل الضوضاء من حولي حين أمسك كتابًا.

دخلت حدائق بابل المعلقة ومشيت إلى تاج محل في قصص الرحلات، شممت رائحة البارود والتربة في ذهب مع الريح، وشعرت بدوار البحر في موبي دك، لم أكن أنظر لآفاقهم فقد كان لي أفقي الخاص.

حين أقرأ كتاباً كنت أعيشه بكل تفاصيله، لكن لم ينقلني أي كتاب منهم إلى الحرمين الشريفين، جاعت روحي واشتاقت إلى الديار المقدسة، منظر الكعبة زارني في أحلامي، كأنه نور تسلل الى غرفة مظلمة فملأها بالحياة، وكأنني كنت في أعماق بحر لا قاع له، أسقط تدريجياً إلى الظلام ولا أستطيع التنفس، لست أختنق لكنني لم أكن أحيا كذلك.

شاركت إخوتي أحلامي وحكيت لهم عن ما يشغل فكري، أردت الذهاب إلى العمرة و زيارة الحرمين.

في إحدى إجازاتي فاجأتني أمي برحلة إلى العمرة مع أخواتي ناجية ونادرة اللاتي يكبرنني عمرًا، ناجية أختي الوسطى جميلة العائلة، ذات القلب الحنون كانت قد أخبرت أمي عن رغباتي.

كانت رحلتنا عبر الحافلة وقد تسلح الجميع بالأجهزة الإلكترونية والبطاريات الاحتياطية، بينما جلست حائرة في غرفتي أي كتاب سيرافقني في رحلتي حتى قررت أن أحمل كتابين، أحدهما لطريق الذهاب لينقلني مع رياح الشوق إلى مقصدي، والآخر لطريق العودة ليكون تهويدتي في وحشة السراب، دربنا طويل والاثنتا عشر ساعة لن ترحمنا.

تعجبت لتزاحم الناس بضيق صبر، ألسنا في سفر الروح قبل الجسد، أو لسنا بذاهبين إلى الديار المقدسة لتعانق صلواتنا منبع أشواقنا.

كانت والدتي قد حجزت المقعد الخلفي من الحافلة لأختي الكبرى نادرة وأطفالها حتى يستطيعوا النوم على سطح متصل، أما ناجية فقد استغلت خلو بعض المقاعد وانعزلت بالإلكترونيات في مساحتها الخاصة، ابتسمت لوالدتي التي كان الاحرى بها ان تتخير مقعدها لترتاح احتراماً لها.

قالت لي بوقار: "لقد أثقلت كاهلك يا صغيرتي فلم تنعمي بمقعد خاص مثل أخواتك".

لم تعلم أمي أن في أضيق الأماكن الحارة المتزاحمة ينقلني كتابي إلى أوسع الحدائق الربيعية الحالمة، قبلت جبينها و فتحت كتابي.

مشت بنا الحافلة والكل يتذمرون من صغائر الأمور كصوت الحافلة وحركتها البطيئة لثقلها والحر والمقاعد، بينما كنت في تلك اللحظة على بساط سحري طائر، كانت كثبان الرمل في الصحراء من حولي كأمواج محيط ممتدة إلى حيث ينتهي البصر.

تسرب الظلام إلى صفحة السماء ليمحو تدريجياً معالم الطريق وأحرف الكلمات في صفحتي، رفعت رأسي لأجد الجميع من حولي نائماً، فأخرجت لمبة صغيرة من حقيبتي لأستكمل القراءة.

استيقظت إحدى النساء لشرب الماء و فتحت أمي عينيها لتساعدها.

همست السيدة لأمي غير ملاحظة لانتباهي: "شكرا عافاك الله، ما شاء الله بناتك مؤدبات خلوقات لكن انتبهي للبنت الصغيرة لتتزين وتهتم بنفسها، الكتب لن تجلب لها عريساً"، وضحكت بمرح ممازحة.

عقدت أمي حاجبيها بضيق وعاتبت السيدة بلطف "شكرا يا أم صالح على نصيحتك، لكن ابنتي ما زالت صغيرة ولن أزوجها حتى تنتهي من دراستها وفي هذه الحالة كتبها أبرك لها".

ابتسمت بسعادة بينما عادت أمي لمقعدها لتستكمل نومها بعد أن أوصتني أن لا أطيل السهر.

بدأت عيناي تحرقاني من التعب وصرت أرى ضباباً يملأ الأرجاء، ظننت أني انغمست في أحلام اليقظة، فرفعت عيني لأرى الجميع نائمين والستار يفصل مقاعد النساء عن مقاعد الرجال، السائق لا يرى ما يحدث في الخلف، بينما الكل غافلون في سبات عميق، كان الضوء الصغير المنبثق من مقعدي هو ما نبهني للدخان، لست أحلم و ليس ذلك بضباب، أيقظت أمي على عجل وفتحت الستارة التي بجانب مقعدي.

لم أكن أتوهم، كان هناك حريق ينبعث متوهجاً من خلفية الحافلة، أنا وأمي بدأنا بإيقاظ الراكبات وتنبيه السائق، نهض الجميع بفزع وبدأوا يتدافعون للنزول، كانت أختي نادرة قد احتضنت طفليها وانطلقت إلى المقدمة بجنون غير مبالية بأحد، أما ناجية فقدت حملت أمتعتها الثمينة الغالية وأمسكت بيد أمي لتسحبها من بين الزحام.

رأيت عيني أمي تتلافق يميناً وشمالاً تبحث عني بخوف وتوتر (أين هداية، صغيرتي هداية هل نزلت؟)، نظرت إلى جانبي فلم أجد كتابي لكن الوقت لا يسمح بتلكعي، مشيت بثبات دون جزع، وكانت الأصوات قد تلاشت من حولي وكل ما أسمع هو الآية الخالدة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}.

وقفت عند باب الحافلة بذهول، الكل قد نزل سالماً، ولم أشعر بنفسي إلا وأنا في أحضان أمي وأخواتي، تصرف الرجال بسرعة وأطفأوا الحريق الذي كان قد نشب من عبوة البنزين الاحتياطية ولم يقع أي ضرر بحمد الله وفضله.

التفت النسوة من حولي لشكري ونظرت إليَّ أم صالح وقالت بخجل: "كم نحن غافلون يا ابنتي، غارقون في متاع الدنيا، نحن في سبات يستحوذ فكرنا كل منا في ملذاته، ها هو كتابك يا صغيرتي، قد التقطته لكِ عند نزولي، هذا الكتاب الذي استصغرته قد نبهك للهيب كاد يهلكنا وكان لنا خلاصًا، لا تأبهي لمن حولك فلا عجب أن أول ما نزل في كتاب الله هو (اقرأ)".