الموسى ونتاليا سفر للحلم والمعنى (4)

الفنان عبد الستار الموسى تأبط خيراً بنادي الفنون بالقطيف، فقرر إقامة معرضه الثنائي بمعية عقيلته "نتاليا" بعد أن جذبتهما حميمة المكان وكثافة المرتادين والزوار، وتعطش الفنانين والفنانات لكل معرض يقام، فأحبا أن يرويا من فنهما ذائقة التواقين للفن، ويقيمان حواراً فنياً مشتركاً بتقديم كل منهما تجربة مغايرة عن الآخر.
وبحماس مطرد وتفاؤل متقد، تحضر الزوجان لمعرضهما المشترك، وأطلقا عليه عنواناً لافتاً ومتفرداً يعكس هوية المعرض "من صحراء الدهناء إلى ثلوج سيبريا"، عنوان يحيلنا لتباين بيئتين بتلاقيهما فنياً، عبر ريشتين تنهلان من مكانين مختلفين في كل شيء.
هنا حرارة الصحراء ولهيبها، وهناك البرودة وصقيع الثلج، لوحات تتجاور فنياً وتتمازج تشكيلياً، مؤداه تقارب وطن الزوج ووطن الزوجة، وهو رسالة حب بين شعبين، بأن الفن يجمعنا، المعرض أنشودة قلبية بين زوجين، محمل بأبعاد جمالية وتعبيرية.
ففي يوم الخميس 20 أبريل سنة 2012، قام الشاعر الكبير عدنان العوامي بقص شريط المعرض إيذاناً بافتتاحه وسط حفاوة من أسرة الفنان وبعض من جماعة الفن التشكيلي بالقطيف، ابتسامات وتحيات وترحاب تأخذ الشاعر سفراً عبر لوحات مقروءة بصرياً فلا كلفة في استجلاء معانيها، ولا تعقيد في أشكالها، طرح مباشر واضح للعيان، لكن الموسى يستفيض في البوح خارج نص العمل الفني، والشاعر الأديب المرافق له يترجمها صوراً شعرية ناطقة تتغنى بمواويل الذكريات وتراثيات الماضي.
لوحات منسوجة بتقنية "الجرافيكس" الأبيض والأسود، كأنها صور قديمة تتوه العيون شوقاً لاستحضار زمنها الجميل، هكذا أراد الفنان أن يقدم لنا الطقوس المغيبة عنا من ليلة "غسالة العروس" والخضاب والحناء، إلى تقاسيم وجوه النسوة المليئة بالبهجة والزغاريد، وللفرح عندهن عنوان في ليلة من أحلى ليالي العمر بانتشاء أجسادهن بالرقص والغناء، يرفلن بأزيائهن المعطرة بالمشموم وبالورد المطرز "بالزري" والخيوط المزخرفة.
مشاهد حنين لمرئيات الفنان قبل أن يبلغ الحلم، صوبها حسناً من داخل بيوت الأحساء حي "الرفاعة" موطن الذاكرة البكر، وبعد أن شب عن الطوق، تمدد جلوساً على كراسي قهوة "أبو نصير"، فصورت عيناه رجالاً يأنسون بالأحاديث والأسرار منغمسين بشرب القهوة والشاي، وبجانبهم رجل يسبح خيالاً عبر الأرجيلة ودخانها المتطاير، وآخر متصفح للجريدة يقرأ باهتمام.
مجتمع الطيبين استلهم صورهم الحية من أصالة الماضي وعبقه ليبعث برسائله للحاضر لمن لم يعش ذلك الزمن، زمن التراحم والتسامح والقلوب الصافية، ليقول للكل هاؤم اقرأوا كتابيه هي فراديس الأمس، إنها وثائق رسم حية تقول عود يا زمن الوصل بالأحسائي.
ولرائحة البحر حكايا عن رجل يقف قبالة الشاطئ ينفث سيجارته زفرات من كد وتعب، إنه خال الفنان من جزيرة أوال، وآخر يفترش الأرض يصنع شباك صيد ثم القاه في اليم لبحارين يبحثان عن رزقهما في ظلمة الليل، ولوحة نرى فيها "النوخذة" جالساً بهندامه مولياً وجهه نحو البحر، ينظر للسفن المتراقصة تحية للموج والدانات.
وللزرع نصيب من حياة بنظرة فلاح يشمر عن ساعديه لخيرات واحة الأحساء الغناء، ورجل عند الظهيرة يمتطي حماره يسلك دروب الفي، وثلاث نسوة يتجاورن مشياً، يحملن على أكتافهن منتوجات البساتين، وامرأة جالسة بزيها التقليدي أمامها سلة رطب تنتظر قدوم المشترين.
وفارس بزيه العربي يقف بجوار حصانه، يسأل عن فروسية ولى زمنها، وراحل عن الدنيا فارق أعزاءه فتركهم يتلون الحزن لوعة ودموعاً، وصدى النحيب يتردد بين لوحة النائحين والنائحات المتسربلين وجعاً والمستصرخات ألماً برحيل الأحباب.
لوحات الموسى مشاهد بصرية غنية بالألفة والشجن، وظلال الأنس، وحكايا الأمس، وأطياف العمر، أحضرها فناً متوهجاً كبريق نجمة في ليل المحبين، وقمراً منيراً في سماء المسافرين إلى عمق الماضي الجميل، أسمعنا الموسى ترانيم مسرات وأوجاع، وقصائد أشعار وجد، بأبيات عشق، إن بين الحزن والفرح حكاية وألف حكاية.



