أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الموسى ونتاليا سفر للحلم والمعنى (8)

عبدالعظيم شلي · القطيف اليومالخميس 19 ديسمبر 2019، 6:30 م
الموسى ونتاليا سفر للحلم والمعنى (8)

أي تضحية دفعها الموسى من عمره وحياته، حباً للسفر والترحال، إلى بلد لم تكن الأمور سالكة وميسرة، بمجرد الكلام العابر عنها يعتبر مثلبة، وخوض الحديث حولها شبهة، حتى الإشادة بفكر علمائها أو كتابها أو التعاطف مع آدابها وعلومها وفنونها تهم غير محسوبة العواقب، فكيف التفكير بالذهاب إليها؟! رقعة دولة مهيبة في كل شيء، لكن التلفظ باسمها مدعاة للارتياب.

كان الزمن صعباً والظروف ملتبسة وقاسية، والطريق وعراً والعوائق جمة، كيف الوصول لأرض محرمة بل منبوذة عند بعض أفراد المجتمع، وهي الممنوعة أصلاً من المرور بها فكيف بالسفر والعيش فيها، وفي الأساس العلاقات الدبلوماسية معها مقطوعة ومغيبة.

كان الدرب إليها شبه مستحيل! مجازفة الشاب كسرت الطوق، لأنه وهب العمر لمعانقة الحلم ولا شيء غيره، روح المغامرة تسكنه تحفزاً "وما نيل المطالب بالتمني....، وفاز باللذات..."، لهج بها قلبه والجسارة نبضه، والانطلاقة عنوانه بتصويب الأهداف، طلباً للعلم وتحية للبيرق الأحمر، والعيش في كنف البوليتاريا، دوافع أخذته طيراناً بعد تخرجه في الثانوية العامة عام 1975م.

قناعة نفسية وروح معنوية جناحا عزم حملاه إلى أرض البلاشفة من أجل تحقيق الحلم، ومعه تهون كل المشقات، ويتضاءل العناء والتعب، إن هدف الارتحال شوق عارم لتحقيق الحلم المنظور والأحلام المؤجلة، بالتوجه لدراسة الطب وهي أمنية والده المأمولة.

حين وصل الموسى لأكبر مساحة دولة في العالم انبهر بكل شيء، تبدل الوعد أثناء دراسته للغة الروسية وهو لم يبرح شهوره الأولى، فمنذ أن وطئت قدماه وقع أسيراً لسحر الفنون، متجولا بين ردهات متحفي بوشكين والأرميتاج، كنوز خطفته عن تحقيق حلم والده المنتظر.

أمانيه المخبوءة منذ الصغر تصاعدت، أطياف تعبر أمام عينيه، خربشاته على جدران بيوت الطين وأصابعه تتمرغ بالألوان والتشاكيل، كراسات ووسائل إيضاح ضمن معارض مدرسية، رسوماته التزينية لاستديوهات التصوير وحوارات الزملاء والأصدقاء، أحاديث التطلع رسماً على الألواح الخشبية، ومضات ذكرى تشعل حواسه وتتنقل بين مكانين في آن، يبرق طموح مغروس بالآمال، والتأمل حالة تيه لروائع الفن، المصفوفة تباعاً في المتاحف، يحدق بانبهار ويطالع حشود الزوار المسحورين بالمقتنيات المعروضة، قال في خاطره: "ليتني أكون فناناً بارعاً لأرى أعمالي تعلق بجانب أعمال العباقرة".

وجهة غيرت المسار نحو حلم الفن ولا شيء غير الفن، خطاه تقوده لطرق أبواب أكاديمية الفنون الجميلة دون تردد، وصدى التشجيع يتناهى من ابن ديرته الفنان عبد الحميد البقشي يرن في أذنه، والذي كان الموسى متأثراً بأعماله في بداياته الأولى، لهيب شوق الفن يزلزل كيانه، يدفعه دفعاً لمبنى من أعرق الأكاديميات في روسيا، عقبات القبول هي قصة كفاح.

وكادت صرامة البرفيسور "الكسيفج نيكولاي" أن تثنيه عن دخول تخصص فن الجرافيكس، والذي هو أستاذ للقسم، ويعد من ضمن عمالقة هذا الفن في عموم الاتحاد السوفيتي، أراد أن يمتحن الموسى امتحاناً عسيراً، فقد طلب منه أن يأتي إليه غداً بـ "100 رسمة" بأقلام الرصاص أو الحبر، ذهب الموسى هو في حيرة وتساؤل، هذا أمر تعجيزي! أو يكفيني الوقت لإنجاز كل ذلك؟

نقل كل ما تقع عليه عيناه، رسم يديه، أرجله أصابعه، وجهه في المرآة، أثاث غرفته، وكل الأشياء والمحتويات التي حوله، ومن جميع الزوايا والاتجاهات، والشرط رسوم ليس فيها من الخيال أي شيء، فقط المنظور أمامه، أخذه الإجهاد مأخذه، في اليوم التالي وصل للبرفيسور دون نوم، وسلمه كل الأوراق المطلوبة فرحاً بما أنجز، راح أستاذ القسم يعد الأوراق ورقة ورقة دون أن يرى ما فيها من أشكال وخطوط، وحين تأكد أنها فعلا "100 رسمة"، قام في الحال بتمزيقها واحدة تلو الأخرى، وأمام ناظري الموسى، صدم بما يقوم به البرفيسور، اهو جنون أم عبث!

قال له أستاذه: "الآن أقبلك في القسم، كان هذا هو شرطي المعلن والمخفي لكي تتعلم عندي، وهو اختبار وتمرين مكثف، وتحضير لما هو قادم"!

موقف استفاد منه الموسى دروساً وعبراً، ولأن روح الإصرار من طبعه والتحدي ديدنه، واصل المسير، درس الموسى على يد الفنان "الكسيفج نيكولاي" من السنة الأولى إلى السنة الثالثة، ووافاه الأجل عن عمر يناهز 87 عاماً، ثم تتلمذ على يد أستاذ آخر وهو "بنماريوف" وعمره 79 عاماً، وهو رئيس "قسمي التكوين والجرافيكس"، قسم مكون من 3 فروع
تكوين، إعلان، تصميم كتب، وكل قسم له مرسم خاص ورئيس، ومدرسون مساعدون.

ويعد الفنان "بنماريوف" من البارزين اللامعين في مجال فن الجرافيكس، وهو رئيس اتحاد فنانين عموم الاتحاد السوفيتي، وأيضاً هو عضو مجلس الاتحاد السوفيتي الأعلى.

لقد أنجز الفنان عبد الستار الموسى المهمة بتفوق ونجاح وعاش أجمل سنين عمره في رحاب أكاديمية سيكروف، وبعد 6 سنوات من التعب والمكابدات والمتعة والذكريات، كسب الفن واللغة والزوجة وشهادة الماجستير بدرجة امتياز، والتحق مباشرة بقسم "الأسسنتورا" في أكاديمية الفنون لنيل الدكتوراه، لكن تفكك الاتحاد السوفيتي وظروف أخرى حالت بينه وبين إكمال الدراسة، وبعد مرور 17 عاماً في ربوع الاتحاد السوفيتي غادره محققاً حلم تعليق أعماله في أشهر متاحفها.

ودع بلاداً هي الأكبر مساحة على وجه الكرة الأرضية خطفت القلوب والعقول لردح من الزمن، وحين انهار كل شيء أصبح الزمن في غير صالح الموسى، لكنه ظل غير مبالٍ بالزمن، الفن ملاذ الزوجين ولا يزال.