أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الموسى ونتاليا سفر للحلم والمعنى (10)

عبدالعظيم شلي · القطيف اليومالسبت 21 ديسمبر 2019، 7:52 م
الموسى ونتاليا سفر للحلم والمعنى (10)

رجع الموسى من الغربة مثقل بجر الحقائب ومتاعب الأسفار، ممتلئ بالخبرات الفنية والأشجان، يؤرقه الفن إنتاجا، والوظيفة معيشة، راح يبحث عن فرص عمل في أكثر من مكان، وهو الحاصل على شهادة ماجستير فنون، وتراكم خبرات وعلاقات عامة مع مختلف الشخصيات والأجناس.

حين أعيته الحيل، وجد عملا مع أحد تجار الذهب، حيث جذبته النوايا وراقت له الفكرة، فانخرط في مشروع مصنع للأعمال الفنية بتقنية (فن الفسيفساء)، قدم كل ما لديه من مهارة ومعرفة في مضمار هذا الفن، لكن بعد أيام معدودات من الحماس والانطلاقة في التنفيذ والتخطيط، اكتشف أنه يقدم نفسه قربانا لصاحب المحل، حيث يريد منه الإدارة والتمويل والتنفيذ وهو يجنى الأرباح!
ترك له كل شيء خارجا من ربقة الاستغلال، قائلا في خاطره: "ليس كل ما يلمع ذهبا ولا كل ما يبرق فضة!".

بين يوم وآخر من البحث والتقصي والعناء تبسمت له الأيام عن فرصة عمل، وهذه المرة أيضا مكان ذهب، لكنه ذهب أسود، وجد ضالته في مكان هو الأنسب والأحسن. قبل موظفا لدى "شركة لوكسار" التابعة للشركة الأم (بوك أويل الروسية) - 20% أرامكو، و80% لوكسار - المنقبة عن النفط وسط صحراء الربع الخالي.

في البدء أسندت إليه مسؤولية تنقلات العمال والموظفين إلى (الرقوق)، وهي أماكن الحفر والتنقيب عن الطاقة.
حينما سار للعمل أول مرة وبعد ساعات من توغله في عمق العراء يتلفت يمينا وشمالا، هاله ما يرى من جفاف الدرب وخطورته، يشده تناثر بقايا حطام حديد سيارات وعظام حيوان، ينظر لكائنات كيف خلقت، وهي الصابرة على الجوع والعطش والتي عاشت منذ آلاف السنين وهي مثقلة بالغزوات والأسفار، يتفكر في تركيبة سفن الصحراء العابرة للزمان والمكان. وبعد أن وصل لمقر الشركة تاهت مشاعره والحواس، يخلبه المنظر كل يوم. وجد نفسه في تخوم مفازة موحشة، سفوح متموجة من الكثبان الذهبية تعبث بها الرياح، ذرات رمال تتطاير كالجراد المنتشر، تؤذي العيون وتزكم الأنفاس، تهدأ حين يجن الليل. السماء تبرز فتنتها بمصابيح الدجى، تشكيلات تتلألأ تخطف الأبصار، والليالي المقمرة محاسن من ضياء، يرى سماء غير سمانا، تمدد لإنهائي من التيه والعزلة، ينكفئ الصمت نهارا بطلوع الفجر ودبيب العمال وضجيج المعامل.

بعد مدة من مشاق الوظيفة أسند المسؤولون في الشركة للموسى مهمة الترجمة ثم عيّن إداريا، وحين علموا بمقدرته الفنية طلبوا منه رسم المعامل بريشته المشبعة بالواقعية الاشتراكية، وهو النهج المحبب تاريخيا لكلا الطرفين، فأنتج عدة لوحات تصور أبراج التنقيب عن النفط والغاز، منتصبة وسط القفار وتموجات الرمال واشتعالات النار، تخرج من أعلاها أدخنة تتطاير مع غبار الأتربة، وسط توهج الشموس اللاهبة وقطعان الإبل الراعية. مشاهد استفزت ذائقته وزاد إيقاعها رسما وتعبيرا، مع قدوم التليفزيون الروسي، إنه فريق عمل تقني وفني مهمته تصوير فيلم عن مسارات التدشين وسير العمل من أجهزة ومكائن، لقطات وتحضيرات للتصوير لجميع مرافق الشركة، بحث وتنقيب من جميع الزوايا والأبعاد تحرك وقيام وقعود من أجل توثيق مهني احترافي، كل هذا الحراك من فريق العمل السينمائي والذي استغرق مكوثه أسبوعين، الموسى تحرك معهم أولا بأول في كل الخطوات، اندماج تام كأنه واحد من الفريق، تجوال والأحاديث بينه وبينهم نجوى، وما أشبه اللية بالبارحة، لمبدعي الاشتراكية، الذين كان ديدنهم توثيق مثل هذه الأجواء.
لقد أنجز الموسى أعمالا فنية رائعة، بخامة الألوان الزيتية وكلها عن الزيت بلغ عددها (18) لوحة، وهي توثق أوجه المشروع بقوة تعبير ديناميكية، وتكمن رسالتها اللامرئية بتحايا حب للأزمنة الماضية، يوم كان المجد للعمال والاحتفاء بالمصانع والطبقة العاملة، ريشة الموسى لها سبق التوثيق لمشاهد حصرية من عمق الصحراء، حيز نائي لم تصل إليه ريشة فنان سعودي من قبل، لوحات أكسبت الفنان تميزا على أقرانه في تنفيذ هكذا أعمال، والتي أتت من عين المكان وليس من خلال صور، لوحات حية نابضة بالحياة.

وعلى أثر إنجازها المتميز حصل الفنان على التكريم وبعض المال وأصبحت اللوحات ضمن مقتنيات الشركة، وعلقت في أروقة متحفها الخاص بموسكو.
وبعد مرور 7 سنوات في مضمار الكد والتعب والذكريات الجميلة مع القيمين على الشركة الذين أعادوا الموسى مجددا لارتحالات الأمس، ها هم الذين تعنى إليهم أتو إليه، من كان يظن أن الزمان سيتغير! ها هو يغادر شركة لوكسار، وكأنه يغادر روسيا الأمس، روسيا المصغرة جدا جدا عبر خليط من الروس، مع اختلاف الأمكنة، لكن الوجدان كامن في النفوس، واللغة مرتكز الذكرى وأبعد، وأبناؤه يحملون الجينتين.

أخيرا أحيل الموسى للتقاعد عن العمل بعد بلوغه الستين من عمره عام 2014. الآن أصبح مطلق اليدين والوقت ملكه.