الإبداع البشري في حدود الحلال والحرام

من الموضوعات المتطورة والمتغيرة، والمتجددة، التي بين أيدينا اليوم والتي نريد إيجاد أحكام شرعية تناسبها هي المسائل المستحدثة، وبعبارة أخرى هي: "كل موضوع جديد يحتاج إلى حكم شرعي".
هذه الموضوعات المستحدثة والتي جاءت نتيجة تطور العلوم المختلفة، منها طبية مثلا، والتي نشأ عنها عمليات نقل الأعضاء، والتلقيح الاصطناعي، والاستنساخ وغيرها.
وإيضا تطور علوم الفيزياء، والكيمياء، والهندسة، وما نتج عنها من بناء أبراج عالية جدا، ودواء لإنقاذ البشرية، وأسلحة الدمار الشامل من صواريخ وطائرات، وقنابل نووية، بالإضافة إلى القوانين التي تضبط مسار الحياة اليومية في حركة المجتمع.
فالخالق (عز وجل)، لم يحدد للإنسان كيف يعيش بل أعطاه مناهج عامة وترك له مساحات الإبداع البشري، في حدود الحلال والحرام، والتي غالبا لا يوجد دليل منصوص عليه في كتاب الله العزيز، أو كتب الفقه، يقول بحرمتها أو حليتها، أو لأنها لم تكن محلا للابتلاء في زمن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، والأئمة الأطهار (عليهم السلام)، أولم يرد فيها نص خاص في الروايات الواردة عن بيت أهل العصمة (عليهم السلام)، أو كانت موجودة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)، والأئمة الأطهار (عليهم السلام)، ولكنها اليوم تغيرت نتيجة التطور السريع في المجتمع.
أما أمثلة تغير الموضوعات وتبدلها من عصر النص إلى هذا اليوم كثيرة نذكر منها:
"حرمة لبس البدلة الرجالية لأنها تشبه بالكفار" وحليتها اليوم؛ لأنها خرجت من هذا العنوان التشبه بالكفار، وأصبحت زيا عاما يرتديه كل الناس.
"حرمة بيع الدم" والذي أصبح اليوم: محللا لأنه خرج من كونه ما لا فائدة منه، وتوقف عليه اليوم حياة كثير من الناس.
"وتداول الذهب والفضة في البيع" أصبح اليوم: عن طريق بطاقات الائتمان والشبكات المصرفية.
"وكذلك خيار المجلس في البيع" الذي تطور إلى معانٍ عديدة نتيجة تطور آليات البيع عبر الاتصال والمراسلة والوسائل الإلكترونية.
وهذا لا يعني أن أي تغير في الموضوع يوجب تغيرا في الحكم فهناك تغير سلبي في المجتمع لا يكون حاكما على الشريعة، بل الشريعة تكون حاكمة عليه. ونحن مأمورون أمام هذا التغير السيئ بالتمسك بالشريعة، وهذا هو مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وإلى جانب هذا التغير السلبي في المجتمع هناك تغير إيجابي يحصل باستمرار نتيجة اكتشاف العلوم والمعرفة في تنظيم وتقدم وصلاح الفرد والمجتمع.
الرجوع إلى الفقهاء لأخذ أحكام المسائل المستحدثة:
التوقيع الوارد عن الإمام الحجة "عجل الله تعالى فرجه" حيث قال:
"وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجة الله عليكم وأنا حجة حجة الله". (وسائل الشيعة).
هذا التوقيع الشريف يثبت لنا جواز الرجوع إلى الفقهاء في عصر الغيبة لمعرفة الأحكام الشرعية، والمقصود برواة في هذه الرواية هم الفقهاء اليوم، وهي إشارة إلى جواز الرجوع للفقهاء في المسائل المستحدثة الواقعة اليوم، حيث إن الرجوع إليهم لتوضيح وبيان الأحكام الشرعية وكل أمر مستجد ومستحدث.
فالحديث يشير إلى وجود مسائل مستحدثة واقعة والتي هي: "كل موضوع جديد يحتاج إلى حكم شرعي، سواء لم يكن له في السابق حكم شرعي، أم كان له حكم شرعي ولكن تغيرت بعض قيوده".
ويواجه الإنسان؛ الفرد والمجتمع كل ما هو جديد من مسائل مستحدثة تقضي بتشريعات تناسب ضرورياته وعلاقاته بالمجتمع.
فمستجدات العصر مستمرة بلا انقطاع، من زمن المسلمين في زمن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وبعد وفاته كما يذكر لنا التاريخ.
وكان المسلمون بعد وفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، يرجعون في مسائلهم المستعصية والمستحدثة إلى أبي الحسن علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، واستمر الأمر إلى حياة أئمة الهدى (عليهم السلام)، في ملء هذه المستجدات والإجابة عنها في كل زمان ومكان.
وبعد ذلك منحوا هذا الدور المهم إلى رواة حديثهم، الذين بدورهم اشترطوا جواز الرجوع إلى الفقيه الحي دون الميت، رغم تفضيل بعض الأموات على بعض الأحياء في العلم والفضيلة، وهذا تأكيد على أهمية مواكبة مستجدات العصر وتطوراته.
كما أن الاجتهاد أساسا يكون في القسم المتحول والمتغير من الحياة، وليس في القسم الثابت كالصلاة، والصوم، والحج٠
وعملية الاجتهاد في الحقيقة يخوضها المتخصص في أمرين:
الأمر الأول: الأدلة الشرعية.
والأمر الثاني: الحياة والواقع بما فيه من مستجدات وحوادث.
فالاجتهاد هو: استنباط الحكم الشرعي الثابت، أو المتغير، سواء كان واجبا، أو محرما، أو مباحا في أبواب العبادات، أو المعاملات سواء ورد فيه نص بخصوصه أم لا، وسواء كان من خلال دليل محرز، أو إمارة، أو أصل عملي.



