أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الموسى ونتاليا سفر للحلم والمعنى (16)

عبد العظيم شلي · القطيف اليومالسبت 28 ديسمبر 2019، 7:55 ص
الموسى ونتاليا سفر للحلم والمعنى (16)

نتنقل بين عوالم الموسى وفضاءات لوحاته، فتستوقفنا لوحة "الخطيئة"، شاب يقف وحيداً رافعاً رأسه للأعلى يصوب نظره للسماء، يشيع وجهه حزناً وأسى، إنها وقفة اعتراف بالذنب، حوار داخلي يدور ويدور، لحظات مصارحة مع الذات، مكاشفة مع النفس، ديالوج داخلي بين الإنسان ونفسه اللوامة، حوارات الأنفس الضائعة في مزالق الحياة، يفصح عنه الفنان بالآتي: "هو الإنسان التائه في الحياة، ينظر ويناجي ربه، يعي ويعترف بأنه خاطئ يطلب المغفرة بحثاً عن الخلاص، يشاغله الإثم منذ مولده، بالإثم صورت وبالخطيئة ولدتني أمي، و"الجميع زاغوا وفسدوا، فليس من يعمل صلاحاً، ليس ولا أحد، الإنسان يداه وجسده مليئة بالخطايا، ليس عنده مخرج من الوضع الذي هو فيه، وعلى مر العصور، وفي جميع الأديان، الكل يبحث عن الخلاص من وضعه المأزوم".

لوحة معبرة نظرت إليها العيون العابرة برؤية فنية بحتة، ولم تدرك ما تحمله من رمزية، اعتراف الإنسان بخطاياه وإقرار بذلك أمام المعبود الخالق، اتصال روحي مع الله، والمقصود هنا بالنفس ليس أنفساً بعينها، وإنما كل النفس البشرية في عمومها، "كل ابن آدم خطاء"، فلا تخلو نفس من الخطأ والزلل، "وجل من لا يخطئ"، فالإنسان من طبعه الخطأ معرض للهفوات والنسيان، ووسوسة الشيطان، النفس أمارة بالسوء، فلا أحد معصوم من الخطأ والكمال لله وحده.

لوحة مشغولة بأسلوب انطباعي، والسيادة متمركزة في العنصر الوحيد المتمثل بوقفة الشاب بثيابه البيضاء ومن خلفه سماء زرقاء يشوبها شيء من الغيوم، نستشف من بيان الفنان بأن الخطيئة هي ظل الإنسان، وهل يوجد كائن بلا ظل؟ لوحة رائعة في بعديها الفني ودلالتها الفلسفية.

إن جماليات أعمال الموسى تكمن في توازنها بين الشكل والمضمون، فهو حريص على إبراز الفكرة عبر التكوين المبسط البعيد عن التعقيد، فلا نرى زحمة للعناصر أو تشتتها، قليل منها لإيصال المعنى المراد، يقدم الشكل المحدد والواضح دون إجهاد للعين، أعمال مريحة بصرياً، عبر توليفة غنية بالتنويع اللوني، والانسجام المدروس بين الألوان الحارة والباردة، وتوافق بين الظل والنور في عملية تجسيم الشخوص والطيور والغيوم، مع التكثيف اللوني لكل فضاء العمل بحس تأثيري، يتبع نهج المدرسة "الواقعية الاشتراكية"، التي تعلمها تكنيكاً وتعبيراً عبر دراسته الأكاديمية الصارمة، ومعايشته الطويلة لأعمال اساطين الفن السوفيتي فتشرب الحرفية في أدق تفاصيلها وعياً وممارسة، موظفاً خبراته الحسية وثقافته الشخصية في طرح كل ما يدور في باله من مواضيع تراثية واجتماعية وانسانية، فقدم أعمالاً تنتمي إلى بيئته الثرية، من عادات و تقاليد، وحكايا الأولين، ومستعرضاً الأزياء والملابس التقليدية، ومتفرساً في الوجوه السمحة وملامح الطيبة، ومستأنساً بهوية المعمار المحلي بجميع عناصر ونقوشه وتكويناته البنائية والمشتقة من طبيعة أرضه وجمال بيئته في بعديها الشكلي والمعنوي.

أسبغ في تلوينها أسلوبه ولمسته المميزة، وثمة تأثير يمتد في طريقة رسم أطراف الأشخاص "الأقدام والأيدي"، نرى الزيادة في طول الأنامل والأصابع، وهي ضمن مكتسباته من المدرسة الروسية، الجادة في إتقان الرسم أولاً، ونضج اللون ثانياً، بالتوازي مع الرسالة ذات المعنى التي يجب أن يحملها العمل الفني، وهذا هو النهج الذي اتبعه الفنان الموسى في غالبية أعماله.