الموسى ونتاليا سفر للحلم والمعنى (17)

ومن اللوحات اللافتة للموسى والتي تحمل بعداً تعبيرياً ومحرضة على التساؤل والتأمل، لوحة "المأساة"، امرأة ثكلى واضعة يديها على رأسها تصرخ في ذهول ولا من مجيب، طفل مستلقي في حجرها، جاحظ العينين ينظر لأمه بأسى، ملابس الاثنين قدت من فقر مدقع، جزالة في تلوين الأسبال والوجوه، وخطوط صدرها تكشف عن هزال وجوع، بؤس الوجهين ينبئ عن أوجاع وأسى، خيط أحمر يلف كاحل المرأة كتميمة ضائعة في زمن اللامبالاة.
ملامح الرضيع واجهت نقداً لاذعاً بأنها ليست طفولية، أجاب الفنان: "إني قاصد ذلك، الجسد بحجم طفل والوجه لشخص بالغ، فمهما كبر الإنسان فهو صغير في حالات نزقه وتهوره، ويبقى ضعيفاً لا حول له ولا قوة مثل كينونة طفل، يحتاج لعاطفة أنثى تحميه وتداريه، رسمت المرأة المعوزة في لباسها وهيئتها، والمتعبة المفزوعة عبر انفعال وجهها وحركات يديها، هي رمز للأم الخائفة على هذا الكائن التائه في دنيا الخطايا، تريد أن تحميه من جهله وضياعه وغروره في دنيا الملذات، فهي الوحيدة من تحنو عليه بمحبتها وعاطفتها الجياشة، دائماً تخاف عليه من مصيره العبثي المجهول حتى لو بلغ من العمر ما بلغ فهو يحتاج لحضن حنون يرجعه لجادة الصواب وينسيه غواية الطيش".
إنها صرخة أم مدوية تفزعنا عويلاً لتبعدنا عن شرور أنفسنا، فالعناصر تكسوها الألوان الحارة المتمثلة في البرتقاليات مع البنيات وخطوط داكنة، والألوان الباردة غائبة نهائياً، لتجسيد عمق المأساة المحيطة بالأم الساعية لإنقاذ ابنها الرجل الطفل التائه في دنيا الآثام والخطايا، تروضه في حضنها عن حالة الضياع، وهي الملجأ والحصن الأخير لإنقاذه من حالات التيه والاغتراب، لوحة لها أبعاد رمزية ودلالة فلسفية.
تلك كانت قراءة منتقاة لبعض أعمال الموسى المعروضة ضمن المعرض المشترك بينه وبين زوجته، والذي افتتح يوم 19 سبتمبر 2019 في جمعية الثقافة والفنون بالدمام، وفي اليوم التالي قدما الفنانان ندوة حوارية في رحاب معرضهما تحت عنوان "الفن والحياة"، وقد أدارها الأديب عبد الله العبد المحسن، والذي قدم في البدء قراءة نقدية حول تجربة الموسى ونتاليا، ثم تحدث الفنانان حول أعمال معرضهما وعن مسيرتهما الفنية، والعلاقة الوشيجة والمتكاملة بين الفن والحياة، مستشهدين بالكثير من الأدلة الملموسة، ومعللين بأن الفن له هويات وكل أمة لها هويتها الخاصة، وقد يكون محصوراً ضمن بقعة جغرافية معينة، لكن الفن بعمومه عابر للزمان والمكان، إنه ضمير الإنسانية جمعاً، الفن شاهد على وعي الإنسان وتحضره عبر محطات ودروب الحياة، فالفن له جوانب تاريخية واقتصادية واجتماعية وحضارية، وأسهب الفنانان في تبيان أهمية الفن بالنسبة لهما ومكانته الواسعة في حياتهما المشتركة.
وقد سأل أحدهم: "هل من الضروري بأن يكون وراء العمل الفني حتى لوكان جميلاً بعداً قصدياً، أي إشارة لوجود المعنى؟"، أجاب الموسى بإسهاب، اجتزأت بتصرف بعضاً من رده "ما قيمة العمل الفني دون المضمون، اللوحة التي لا تحمل رسالة ما، فهي ليست عملاً فنياً كاملاً، وإنما عملاً تزيينياً شكلياً، انظر للوحة "الجرنيكا"، هل هي مجرد تكوينات أو تجميع عناصر أم حاجة شكلية، هي كل هذا وأكثر، بها العديد من المعاني والرسائل الكثيرة.
وثمة دراسات نقدية دارت واستدارت حولها، وهناك كم هائلة من المؤلفات والعناوين والكتب والأطروحات على مستوى العالم التي تحدثت وفصلت عن كل أجزائها ومفاصلها، لماذا كل هذا، لأنها ليست إبداعاً في المبنى لوحده، أو تجديد على مستوى التكوين هي إبداع في المعنى أيضاً، وتكمن قيمتها فيه، ورسالتها الكبرى مبثوثة منذ الثلاثينات في القرن الماضي وعلى مستوى جميع العالم، رسالة متجددة إلى الآن وغدا مفادها "لا وألف لا، لا للحرب، نعم وألف نعم للسلام".



