الموسى ونتاليا سفر للحلم والمعنى (20)

سافر أحمد الأخ الأكبر لـ ستار إلى بلاد الشام، يبحث عنه، يسأل هذا وذاك، مكث برهة من الزمن دون فائدة ترتجى، وأراد أن يتوجّه إلى لبنان بعد أن سرت إشاعة بأن أحدًا يزعم أنه رأى ستارًا في بيروت، لكنه تخوف من الذهاب بسبب ضراوة الحرب الأهلية اللبنانية. رجع أحمد من دمشق خالي الوفاض يجرجر المتاعب والأحزان، وأبلغ أهله بأنه لم يلق لأخيه أي أثر، مشككًا في وصول ستار إلى سوريا، قد يكون توجه إلى مكان آخر.
الحيرة والأسى كابوس جاثم على الصدور بعد مضي عامان، وعلامات الاستسلام تتسلل لأقارب وعوائل الموسى، بأن ابنهم قد قضى نحبه بين فواجع الزمان، دار حوار وجدال بين الجميع بين إقامة مجلس عزاء من عدمه، قطع نزاع الأهل عم والدة عبدالستار الحاج "محمد الحمراني"، رافضًا أن يقبل إعلان الوفاة، قائلًا: "لا نملك أي خبر مؤكد، وليست هناك جثة حتى نضع فاتحة" وهمس للبعض في وقت آخر خالطا المزح بالجد بالتفاؤل: "عندي إحساس بأن ستاروه على قيد الحياة، هذا الولد قوي عيون، شقي خابرنه عدل في أشياء كثيرة، فقد عمل معي من صغره في تسليك الكهرباء للمنازل، ولد عفريت، يطامر على حواف الجدران والسطوح مثل القطو أبو سبعة أرواح، أستبعد أنه مات".
دعوات تتكرر من الجميع "إن شاء الله ما مات، إن شاء الله يكون موجود، الله كريم".
الأم تحلم بين وقت وآخر بأن ابنها موجود على وجه الدنيا لم يغادرها، تراه وتتحدث إليه وتعاتبه في الحلم، وعند الصباح تعاود البكاء، لطمًا على الخدود ومسحًا للدموع، "وينك يالمدلل، وينك يا ضو عيوني وينك يالعزيز؟".
الأب يتقطع حسرة ويتصبر، وأقنعها بأن يذهبا معًا لأرض الكنانة للعلاج ولتغيير جو البيت الخانق، ذهبا معًا يرافقهما الأولاد عادل ومحمد وهما الأصغر من ستار بالإضافة للأخت الوسطى، أما الأختان الكبرى والصغرى فظلتا تحرسان البيت ومعهما بعض الأقارب. وفي القاهرة يسير الأب والأم وهما يحملان أحزانهما، أما الابن الأكبر أحمد فسافر للهند لجلب عدة الصياغة لوالده حيث يعمل معه في دكان بيع الذهب.
أصبح الآن كل له وجهته، والبيت يحن لأحبابه، وأطياف بعضهم تتلاقى سلامًا مع بعض ومضا من خيال، كم تتعب النفوس حين تستسلم للمجهول المعتم، ما أحلى التشبث بالأمل فهو الزاد في الحياة.
ذات ضحى من أيام الصيف القائظ دق باب بيت عائلة الموسى دقات إيقاعية، أجابت الأخت الصغرى: "من عند الباب، "أنا ستار"، ردت على مصدر الصوت: "ستار الله يرحمه مات من زمان، قول من أنت"، وبعد أخذ ورد، جاء صوته عاليًا وحنونًا:
"يا وخيتي. يا أختي يا يمه يا بعد عمري.. يا بعد طوايفي.. افتحي هذا أنا ستار بتشوفيني قدامك حي يرزق"، فتحت الباب بهدوء وعلى استحياء، ويا لهول المفاجأة: أهلا أهلا ستار مو معقول، أهلًا بقمر البيت، نطت الكبرى وأتت في ذهول، ارتفعت الأصوات بالزغاريد،
بالأحضان بالأحضان، اختلطت الدموع بالدموع: وينك يا ستار وين كنت؟!
"الحمد لله على السلامة مليون مرة".. "كنت أدرس في أوروبا الغربية وتحديدا في فرنسا".
وبعد أيام رجع الوالدان للبيت دون أن يعلما بشيء دخلا البيت على رسلهما وتفاجآ برجل يرتدي البنطال، واقفًا في حوش الدار، حينما شاهداه، وقفا لثوانٍ متصلبين في مكانهما، مرددين: "منهو هالغريب؟ كأنه ستار! هو أم لا؟ - هله هله يبا أهلا يمه - إحنا في حلم لو علم من أنت، منهو جني، أنت وهم لو حقيقة لو خيال، لا لا مو معقول إحنا نحلم" احتضان، احتضانات، اشتباكات كالمغناطيس، التف الجسد بالأجساد، مهجات الأنين بصراخ وعويل وزغاريد فرح تهز أبواب الدور والغرف، حتى غاب النفس بالأنفاس: "يا ولدي قطعت نياط قلوبنا من الحزن، تعذبنا على فرقاك، وين كنت هالمدة الطويلة وين؟ ذقنا المر بغيابك، شبه قطعنا الرجاء واليأس عذبنا بظنونه، قلنا لن تعود أبدا، اعتقدنا أنك مت لا محالة" غشي على الأم من الفرحة، رشوها بماء الورد، أفاقت: "ماني مصدقة عيوني ماني مصدقة بأني أشوف قدامي قطعة چبدي ومهجتي وفادي، ويش سويت فينا يا قلبي! كم مرة شفتك بالحلم يا ولدي بأنك موجود، والحلم مو چداب، الحمد لله على السلامة، الحمد لله يوم رجعت لينا سالما معافى، شكرا لك يا رب"، وتوالى المشهد بعد أيام مع أخيه الأكبر.
الآن وجب الوفاء بالنذور ودعي الأهل والجيران لتناول وليمة رجوع ستار عائدًا من الموت، الكل جاء متحمدا له بسلامة الوصول إلا واحدة لم تأت!
سأل ستار عن بنت عمته محبوبة القلب (......) "وينها ما شفتها جت للبيت، إن شاء الله ما فيها شر ولا ضر".
قالوا له: "هي بخير وعافية لكنها انخطبت"، رد عليهم بتشنج: "نعم؟ نعم؟... كيف ومن متى وليش؟ ما يصير، هذا مو معقول!"، أبوه يربت على أكتافه ويهدئ من روعه، والأم عجزت عن الكلام وراحت تبكي وتقول: :يا ولدي ندري أنها كانت مسمية لك، بس ما نقدر نوقف في طريق البنت" وأعقب على كلام الأم الأخ الأكبر أحمد: "شوف يا عزيزي ستار، الدنيا أرزاق، البنت هي الآن أصبحت لغيرك، هي بعد يأست من رجوعك وحزنت وبكت وكانت كل مرة تجي البيت تسأل عنك، وفي الأخير بعد مضي سنتين سلمت بالأمر بأنك لن تعود، واقتنعت بأنك في عداد الموتى".
أصيب بخيبة أمل وصدمة عنيفة وجلس في داره يبكي كالأطفال.
وعند العصر خرج يسلي نفسه ماشيا بشارع المدير الملاصق لسوق القيصرية؛ شارع مختص بتسويق وبيع الأدوات الموسيقية، والمزدحم بالاستديوهات والأشرطة والأسطوانات، تتداخل في فضاء الشارع الأغاني بشتى أنواعها، ستار يمشي حزينا ومر من أمام أحد الدكاكين وإذا بصوت المطرب العراقي حميد منصور ينبعث منه وكأنه يناجي قلبه ويسليه:
مخطوب مخطوب اسمعت مخطوب ولفك يا من تحبه، لا تبالي ولا تهتم قوله مباركة الخطبة، هاجر للهوى معروف تشيع بسرعة أخباره، والحب لوعته لوعات ومنهو ليكتم أسراره، يا قلبي اتحمل اتصبر تارة عليك إلك تارة...
وقتك يوم إلك لابد ينور وتمشي بدربه، حسرة لا تجور عقبه وبيدك شمر اسهامك..
لا تظن بالعشق رهبة كثير زهور قدامك...
بينظر لك أمل بسام ينور وحشة أيامك...
عاشر لك وفيّ ما يخون لهاجر عشرته صعبة...
مخطوب مخطوب اسمعت، مخطوب ولفك يا من تحبه، لا تبالي ولا تهتم قوله مبارك الخطبة.



