رشة عطر

مرة ثانية أعود للقراء لأسرد لكم حكاياتي الطويلة التي لا تنتهي عن الحياة والقطيف, وعن أمي المحفورة في ذاكرة الزمان والمكان, لتجري بألوان جديدة تشع في سماء قلبي, حيث تبهر روحي بنزيفها بلا لون وهي تسقط على البياض لتوجعني بما في داخلي وهناك الكثير, ألوان مقالي هذه المرة أكثر بياضا و شبابا,حيث الأبيض والأسود يتنافسان على البقاء في المساحة البيضاء المربعة, يسردان للقارئ أنهم كانوا هنا بحبهم وأحلامهم البيضاء على قارعة القطيف.
أحييك تحية صباحية بإيقاع لؤلؤ منثور قبيل أذان الفجر, والقلوب لازالت تهفو إلى نبض يهدئ ما حولها من صخب حيث تتهاوى في ظلمته النجوم, وبعد سويعات سوف يتلون الكون بنسمات فجر جديد وأنا لم أتوقف عن الكتابة منذ فجر أمس, توقفت لأصلي الفجر لكني وجدت إن الشمس سبقتني وألقت شعاعها على الكون.
تنفس معي صباحا جميلا أيها القارئ حيث ترحل الطيور على عجل وتناغي العطر ذكريات الزمان نرجو عبقه, حيث القطيف تعيش بداخلي لتصبح مصدر كتاباتي الكونية، فالقطيف عطاء لا حد له، لذا تجدها متجسدة في كل ما أكتب قد تجعل ليل القطيف أكثر بهاء في قلبي.
ظهرت في ذاكرتي فكرة ما ممتطية صهوة الحلم بصمت مسموع, تجرعت الحلم بنفس لهجة الصمت,ولكن صوت جرس التلفون أرجعني إلى واقعي كالعادة, حملت بين يدي قلمي وأوراقي والإحساس الجميل الذي تسلق فكري ليشاغبك أيها القارئ, تمنيت أن أُلبسك كل أفكاري لأمنحك فرصة القراءة,متسائلة ما السر الذي يكن في طابور ذاتي حينما ألمح البعض يقرأ كلماتي بشغف ويستمتع بها, ونسيت أن أخبركم الشيء الجميل في هذا الصباح هو التحامي بكم كانت لوحة مبهجة أحببت فيها العطر ونكهة قهوتي بتواجدكم هنا.
أحببت القطيف منذ أدركت خارطةَ الوطن منحوتةً في جدار قلبي، ذات طفولة لاهية عن امتداد الحدود الجغرافية والتاريخ, أما يكفي أن رمال القطيف تجتاح قلبي! حيث يستغيث الورد مفترشا زخات المطر متوسلا قوس الفرح ثم يغفو متوسدا عطر الليمون بورق الريحان وأنا ارتشف فنجان قهوتي الصباحية, كم أعشق الربيع وعبق الورد في قطيف الأم؟ إلا أن عطرك يا أمي عذوبة خاصة على عذوبة القطيف، الأم والقطيف اثنان في جسد واحد لا أستطيع التفريق بينكما، الأم هي وطنٌ والوطن هو أمٌ دائما عطرك يهبُّ عليَّ كبارقة أمل فألتحف بحنينه وأستظل بنقائه، وأسمع صوتك عبر الأثير وأنا أردد: أشتاق إليك يا أمي أحبك يا أمي، وأتنفسك من بعيد في كل يوم فأنا "غاليتك" المشتاقة, أرسل إليك أرق وأنبل التحايا أبعثها مع نسيم كل صباح، وأُحمِّلها على أجنحة الغيوم السابحة بخجل في الفضاء, أنا يا أماه أتوق للمسة حنانك، وعذوبة صوتك وكلامك.
ثمّة ذكرى تدق فكري لتختبئ وتسكنني قسرا, دهشة لا تتكرر ورشة عطر خفيفة في لحظة متأخرة خجولة, ثم هدأ الليل معي بعد أن خرج عنوان مقالي من يدي,لو ألهمني العنوان لأدركت كيف تتكلم الوردة بصمتها هامسة: ضعيني علي صدرك باتجاه القلب لأسمع نبضاته, تراتيل لون وصمت مع رشة عطر ًلونها من زجاج ظليل. كم قطيفنا بحاجة إلى رشة عطر, وكم أفتقد الاغتسال برذاذ المطر وكم أرحب برذاذه, نريد لقطيفنا أن تفيض بمثل هذه الروح العظيمة المليئة بالطيب والورد الإنساني الراقي. هناك أناس تموت وهي توصي بالورد والزهر, وأناس مغرمون بالزهور والورود والحب والعمل والعطاء و لا شيء آخر هكذا هو الأمر، ثمة نخبة من البشر تغلغل في روحهم حب الناس، فمضوا ينادونا بالإنسانية وقضوا حياتهم من أجل الإنسانية، غير ملتفتين إلى توافه الأمور.
ألا نستحق أحياناً ولو رشة عطر! ما أنبل أن لا يمضي يوم دون أن نشم عطر وردة وان نزرع أخرى, ومن الخطيئة ربما أن نتردد في سقي وردة حتى لو كانت لغيرنا, فإنني لا أستطيع إلا أن أتخيل لوحة يتعانق فيها الورد والعطر, وهي تصنع فسحتها في حياة مكتظة بالتعب والقلق, قوارير من كل شكل وحجم ولون بلورية ونحاسية وزجاجية, صُفت بعناية على رفوف زجاجية قزحية تحرسها وريقات الريحان, أتذكر يوما ارتبكت وسقطت قارورة العطر من يدي رغم إدراكي في أعماق شغافي أن هناك قوارير لا يمكن لها أن تتهشم, وإن شئت القارئ أيها أن تستبدل كلمة القوارير بالقلوب.
تقول الحكمة : الضربات القوية تهشم الزجاج لكنها تصقل الحديد, وأقول لنفسي ـ الأمّارة بالصدق ـ لا خشية من أية ضربات إن كانت أضلاعي مستندة إلى أصدقاء طيبين مثل القراء الكرام بأني التمس لي عذرا وأنا أذكر إليك هذه الحكاية التي قرأتها, يقال: كان رجل يتمشى في حديقة في نيويورك, فرأى فجأة كلبا يهجم على فتاة صغيرة فركض الرجل نحو الفتاة وبدأ شجاره مع الكلب حتى قتله، وأنقذ حياة الطفلة,في تلك الأثناء كان رجل شرطة يراقب ما حدث، فاتجه الشرطي نحو الرجل وقال له: أنت حقا بطل غدا سنقرأ الخبر في الجريدة تحت عنوان: رجل شجاع من نيويورك ينقذ حياة فتاة صغيرة, أجاب الرجل: لكن أنا لست من نيويورك, رد الشرطي إذا سيكون الخبر على النحو التالي: رجل أمريكي شجاع أنقذ حياة فتاة صغيرة رد الرجل: يا حضرة الشرطي العزيز أنا لست أمريكيا, قال الشرطي مستغربا : إذن من تكون؟أجاب الرجل : أنا عربي مسلم,في اليوم التالي ظهر الخبر في الجريدة على النحو التالي: متطرف إسلامي يقتل كلبا أمريكيا بريئا وانتهت الحكاية والباقي عليك أيها القارئ العربي المسلم.
بالقرب من نافذتي تسمرت على الكرسي وأخذت أفكر كيف أنهي كتابتي, ربما هنا أو في بقايا هناك ، فجأة يغيب القمر خلف غيمة تائهة دون زمانها ، وتنفض النجوم غاضبة فعاد إلي وعي، لأجد نفسي من جديد أعيش الواقع, ولكن ما تزال قبضتي ممسكة بوردتين مختلفتين بلونهما الأبيض والوردي، أتوسل فيها أمنياتي ما بين حب الروح وعشقها الأبدي،فتمنيت قبل أن أستيقظ من حلمي الجميل لو أني استطيع منح الكون وردا, لكني تنبهت في آخر لحظة عن تساؤل لا يزال يبحث عن إجابة شافية في أعماق كياني الحالم, فلو أجد إجابة عليه لكنت حينها من أسعد البشر!!



