أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

وجوه لا تنسى.. الملا علي الشاعر «من فتى ضرير إلى معلم وخطيب»

حسن آل ناصر · القطيف اليومالثلاثاء 4 فبراير 2020، 6:43 ص
وجوه لا تنسى.. الملا علي الشاعر «من فتى ضرير إلى معلم وخطيب»

تشدني الذاكرة لأيام الطفولة وأنا صبي حيث كنا نذهب نحن الإخوة والأخوات لبيت جدي لأمي "أحمد بن حسين الناصر" الكائن "بالفريق الشرقي" برفقة أمي - حفظها الله -، حيث تجتمع العائلة، وهناك اندمجنا مع بعضنا البعض بسبب القرابة كنا ننتظر يوم الأربعاء بفارغ الصبر لأنه آخر يوم دراسي بالأسبوع "قبل أن يصبح يوم الخميس" وكل واحد منا يأتي بمصروفه لنشتري لعبتنا المفضلة "التيلة" التي تعد من طقوس هذا اليوم بالنسبة لنا، ونحن نلعب، نسمع من بعيد ذاك الصائح النائح الذي يتميز صوته عن أقرانه من الخطباء، صوت شجي حُفر في ذاكرتنا ورافق طفولتنا ومع مضي الوقت عرفت أنه زوج خالتي.
إنه الملا الخطيب علي بن مهدي الشاعر (رحمه الله) الذي ولد بالقديح في سنة 1361 هجرية، وعاش وترعرع بين والدين طيبين ربياه على الفضيلة وخدمة أهل البيت (عليهم السلام)، في سن العاشرة تقريبًا أصيب بمرض الجدري وفقد على أثره بصره لقلة المعرفة والثقافة الصحية حينها فقد تسبب بعمى وتشويه كثير من الناس فأصبح ضريرًا من ذوي الإعاقة البصرية.
تزوّج مرتين في حياته فأول زوجاته المرحومة "معصومة بنت أحمد الناصر" وأنجبت له خمسة أولاد وخمسة بنات، والثانية - حفظها الله - أنيسة علي الزين وولدت له أولادًا وبنات جميعهم أربعة، سكنه الأول في "فريق السدرة" الزقاق "الزرنوق" المؤدي لحسينية الشاعر، وحاليًا هو بيت اليوسف، والمسكن الثاني والأخير قرب حسينية الشمالي "الدعيبل" منزل عبارة عن قسمين له ولأخيه الحاج المرحوم محمد، وهو الأخ الوحيد وهناك أخت لهما اسمها المرحومة سلامه - رحمهم الله - جميعا.
درس القرآن المجيد وتعلم الخطابة عند الملا مهدي آل درويش (1344- 1426) لقد كتبت عنه سابقًا، وتمرس في الخطابة على يد السيد حسين الجراش في سن السادسة عشرة حيث ارتقى المنبر كصانع وقارئ للمقدمة، حتى استقل بالقراءة "الخطابة" بمفرده.
بدأ الخطيب الشاعر تدريس نفسه بنفسه حيث يستمع ويتعلم ويحفظ المحاضرات من المذياع والمسجل بواسطة "أشرطة الكاسيت" وغالبًا ما يستمع لكبار الخطباء أمثال الدكتور الشيخ أحمد الوائلي (1928- 2003)، ومن جهة أخرى كان يساعده الملا هلال آل حميدان (1343- 1428) حيث يقرأ عليه بعض الأبيات الحسينية والكتب التي تحكي سيرة النبي وآله (عليهم السلام)، كان سريع الحفظ قوي البديهة.
يعتبر من أوائل الذين درسوا في معهد النور بالقطيف الذي تأسس في عام 1384هـ، ويعتبر هذا المعهد بمثابة النور لهؤلاء المكفوفين فقد تخرج فيه دفعات كثيرة ومنهم خطيبنا الشاعر، فقد تعلم وعلم، وفي يوم من الأيام وتحديدًا بمدرسة عبادة بن الصامت الابتدائية بالقديح شاهدته يدخل الفصول ليستمع لبعض الطلاب يتلون على مسامعه القرآن كضيف على المدرسة برفقة المدير.
لقد عشق الزراعة وصعود النخلة كانت هوايته المحببة، لا يحس الرائي له أنه كفيف خصوصًا في أيام شبابه يعتمد على نفسه في أغلب الأعمال وما يذهلك حقيقة الذهاب للمكان الذي يقرأ فيه متجولا داخل القديح دون مساعد.
ولا أبالغ حين أقول بأن الملا قوي الشخصية وقوي البدن، نعم شاهدته بأم عيني يمسك شابًا مفتول العضلات من ثيابه كأنه يحرك قماشة والآخر لا يحرك ساكنًا، وتبين الأمر أن أحد الأطفال قد احتمى به وحينها حدث ما حدث.
في يوم 1421/5/15 هجرية فاضت روحه الطاهرة لبارئها، لقد كان حقًا فاقد البصر ولكنه كان ذا بصيرة فتحت بأنوار آل بيت النبوة فوهب نفسه لخدمتهم (عليهم السلام)، فقد قضى أكثر من نصف قرن خادما للدين والمجتمع، فرحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه الله فسيح جناته.