استدرار الرزق

ورد عن الإمام الكاظم (ع): "من حسنت نيته زيد في رزقه" (تحف العقول ص ٣٨٨).
في هذه الحكمة الرائعة يربط الإمام الكاظم (ع) بين عامل معنوي له آثاره ونتائجه غير الملموسة في عقول الكثير من الناس، وبين مسألة الزيادة والتوسعة في الرزق بمفهومه الشامل للجانب المادي والمعنوي، إذ ما هو مرتكز في الأذهان كعامل مهم في إدرار وتوسعة الرزق هو الجهد الإنساني الفكري المتمثل بالتخطيط وحسن الإدارة، والجهد العملي وبذل الوسع وتحمل التحديات والمصاعب المصاحبة لعمله، وأما أن حسن النية من المرء فدخالته وتأثيره على توسعة الرزق فيحتاج إلى مزيد بيان وتوضيح.
تارة يشار إلى عامل صدق النية في فتحه لباب الرزق غير المحسوب والذي لم يبذل المرء في سبيل تحصيله أي جهد أو سعي، بل هو نفحة ربانية للعبد في اتجاه الرزق المادي بربح لم يكن يخطر بباله، أو رزق معنوي في طريق تحصيل ملكة التقوى والطمأنينة بذكره وتدبيره سبحانه، فمن كان مع الله تعالى بالاستقامة والعفة كان الله تعالى معه بالتوفيق والسداد وتجنيبه لمواطن شرور ما دارت بخلده.
وتارة يشار إلى عامل التوسعة في الرزق وهو حسن النية بملاحظة العامل النفسي مع من يتعامل مع هذا المؤمن الصادق في حديثه والنقاء في قلبه والطيب في معشره، إذ يكون ذلك عاملا للانجذاب للتعامل معه وتفضيله على غيره، فالناس يتحاشون التعامل مع من يمتهن الغش والتحايل والتلون في تعامله، فتكون نيته الحسنة وبشاشة محياه عاملا في تكاثر المتعاملين معه.
وتارة يشار إلى حسن النية في معناه ومؤداه بما أن حسن النية يجعل المرء ملازما لطاعة الله تعالى، فمن كان صادقا مع نفسه ومحاسبا لها على ما تقدمه من عمل لن يقبل الاتجاه نحو الخطايا والمخالفات، والتوسعة في الرزق هنا بمعنى الالتزام بطريق الحلال والمعاملات المالية الصحيحة، وما يكسبه لابد أن يعرف موارد صرفه بعيدا عن خط البخل والإسراف على عياله وتوفير مستلزمات الحياة الكريمة لهم، ويبقي جزءا من ماله موردا للإنفاق في سبيل الله تعالى على الفقراء والمعوزين واليتامى، فكان حسن نيته هو من أعطاه الفهم الصحيح لكيفية التعامل مع غريزة حب المال وضبطها وفق بوصلة العمل الأخروي، فيتحول الدرهم في الرصيد الأخروي إلى أضعاف مضاعفة فحينئذ تربح تجارته، وأما من التصقت نفسه بحب المال فقد خرج منها كغيره بقطعة قماش بيضاء (الكفن) لا غير، وقد حمل وزر بخله وطمعه، وأما في الدنيا فإن المال كان سبيل بلسمة حاجات الفقراء أو صلة لأرحامه وأصدقائه، مما جعله طريقا لزرع مقبوليته ومحبوبيته في قلوب من حوله.
وأما من ساءت نيته في تحصيل لقمة العيش في مصادره أو طريقة صرفه فإنه يبوء بالخسران مهما تكاثرت وتراكمت أمواله، إذ الرزق الحقيقي لا يكون معياره في الكم والكثرة وإنما في جهة نتائجه والتبعات المترتبة عليه، فمن تعامل بالحرام وتلبس به فقد لوث به نفسه وعياله وحرمهم من التوفيق الإلهي، إذ الدنيا ليست بالفترة المنتهية تماما ومتى ما مات المرء انتهى كل شيء، ولكنه سيحاسب على كل درهم اكتسبه وسيعاقب على تجاوزاته المالية، فما ينفعه حينئذ وهو تحت قبة محكمة العدل الإلهي إذا جوزي على ما اكتسبه ورحل عنه.
وكذلك على مستوى الإنفاق فمن تلوث قلبه بالحرام فتح بابا لجهنم على أسرته، وأما من حسنت نيته وتحرز عن الحرام فإنه يبارك له في رزقه بذرية صالحة تراعي شرع الله تعالى، ويظهر عليهم مسحة الإيمان والرضا بقضاء الله تعالى والاستعانة به عز وجل في نوب الدهر وأزماته.



